الانتخابات وحزب الله: حياة أو موت بين الدولة والسلاح

منير الربيع – المدن

تشكل الانتخابات الحالية منعطفًا أساسيًا في السياسية اللبنانية. يتوجه اللبنانيون إلى صناديق الاقتراع بعد ثلاث سنوات من أزمات مستفحلة على صعد كثيرة. والمعركة خياراتها وتوجهاتها سياسية لبنانية وإقليمية ودولية، إضافة إلى ما يتعلق منها بالتوازنات الداخلية وبالمعضلات الاقتصادية والمالية.
انتخابات إقليمية-دولية
يندفع اللبنانيون إلى استحقاق يحظى باهتمام دولي وإقليمي. يبرز هذا من خلال الحركة التي يقوم بها السفير السعودي وليد البخاري، محاولًا استنهاض وضع سياسي، تحضيرًا للمرحلة المقبلة المرتبطة بالملفات الإقليمية، سواء على خط المفاوضات الإيرانية- الأميركية، أو على خط المفاوضات السعودية-الإيرانية.

المطلوب من الاستحقاق الانتخابي الحالي هو استعادة توازن سياسي بداية. وثانيًا، فتح طريق قوى لبنانية جديدة، قادرة على الدخول إلى الحلبة السياسية بمجموعة مؤثرة تفرض إيقاعًا جديدًا على الواقع السياسي، من خارج التقسيمات التقليدية المتعارف عليها. هنا، لا يبدو حزب الله يمتلك مشروعًا سياسيًا بمواصفات جديدة. إذ يتضح أنه باق على ثوابته وتحالفاته.




لذا لا يمكن توقع أي تطور أو انقلاب في مسار الحزب عينه، إذ تغيب في توجهاته أي فكرة جديدة. فهو يريد أن يبقى مؤثرًا ومسيطرًا، بتحالفاته السياسية التي تشكل أكثرية، أو بركونه إلى المعادلة الميثاقية. أي ليبقى محتفظًا بحق الفيتو، خصوصًا في تمثيله الطائفة الشيعية برمتها.

على ضفة المجتمع الدولي والقوى الإقليمية، هناك انتظار لما بعد نتائج الانتخابات التي يتوقع أنها لن تكون تغييرية في المعنى المنشود. وهذا يبقي لبنان خاضعًا لمعايير معادلة سياسية ما بين التصعيد والتسوية، في ظل انعدام تصور واضح للمرحلة المقبلة.

لكن حزب الله لا يبدو قادرًا على التكيف مع أي تسوية إقليمية أو دولية. فهو بطبيعته أسير توجهات أمنية وعسكرية وإيديولوجية، تمنعه من الدخول في تبني استراتيجية دفاعية وفق ما تقتضيه موجبات الدولة المتعارضة مع موجباته. وهو لا يمكنه تحمّل أن يتحول إلى حزب سياسي، أو أن يتخلى عن وظيفته الإقليمية.

وجه المعركة الداخلي
في الجانب الإيديولوجي، يسعى حزب الله إلى تثبيت معادلة الاعتراف بكل أدواره، مقابل ذهابه إلى تسويات داخلية مرحلية، على قاعدة احتفاظه بسياساته الخارجية والاستراتيجية، وإمساكه بالسلطة في الداخل وفق معادلة كانت قائمة أيام الوصاية السورية في التسعينيات. هو نجح في تكريسها في تسوية 2016، ويريد أن يبقى متمتعًا بميزات القفز فوق الدولة وقواعدها.

وهذا ما لا يبدو أن هناك استعدادًا دوليًا وعربيًا للتسليم له به. وأقصى ما يمكن أن يحققه الحزب عينه يقتصر على هدنة سياسية. فلا يستهدف أمن الخليج والدول العربية، مقابل احتفاظه بخصوصيته الأمنية والعسكرية، وبالتالي تنحية السلاح جانبًا والتعهد بعدم القيام بأي نشاط عسكري.

مأزق حزب الله
هذه المعادلة جائزة في حال بقاء لبنان في المراوحة السياسية، وطالما لا تسوية كبرى مطروحة، وليس من تصعيد كبير مطروح ولا مجال للمعارك العسكرية. وهنا يُطرح السؤال الأساسي: هل يقدر لبنان واللبنانيون على البقاء في المراوحة التي تؤدي إلى المزيد من التعفّن في مؤسسات الدولية وفي الوضع الاجتماعي والمالي والاقتصادي؟

كل المؤشرات تفيد أن لبنان غير قادر على التعايش مع مثل هذه الوقائع، لأن نسبة الترهل تتزايد، والانهيار يتوسع، ما يجعل الوضع اللبناني دافعًا إلى هجرة اللبنانيين. وهذه قد تتزايد طالما الوضع القائم مستمر في التداعي والسقوط أكثر في الفقر. وهذا ما لا يقوى حزب الله على معالجته. لذا تبرز مواقف قادة حزب الله الداعية إلى ضرورة دور الدولة في المعالجة. لكن هذا الدور يتناقض مع عدم قبول الحزب عينه بمبدأ الدولة ومؤسساتها. فلا دولة بلا قرار وسيادة.

هنا يكمن مأزق حزب الله الأكبر: إما يتحكم بالدولة ويعترف بذلك وبمسؤوليته عنها، أو يبقي الوضع على حاله، أي ممسك بقرارها بلا مسؤولية، أو تحميلها للآخرين. والحالتان لن تتيح قدرته على الاستمرار. فبعد توسعه في الخارج قد ينقاد إلى العودة للداخل اللبناني لحماية نفسه من التوترات الاجتماعية والاقتصادية.