مصارف فقدت صوابها: إغراءات ورشاوى انتخابية ودعم لوائح

لم يعد خافياً على أحد السعي الدؤوب للمصارف اللبنانية لتشكيل تكتّل نيابي داخل مجلس النواب المقبل، يحمي مصالحها ويرعاها، على غرار ما كان عليه المجلس السابق، غير أن الواقع المالي والمصرفي الجديد في لبنان، وبعد انكشاف البلد على أزمة متعدّدة الأوجه، باتت المصارف أكثر حاجة لمن ينطق بلسانها في مقر السلطة التشريعية، ويزيح عنها مسؤوليات لا تنوي تحمّلها، ويعفيها بالطبع من تكبّد خسائر تقع على عاتقها.

حساسية الوضع المستجد في ظل المواجهة الشرسة لقوى التغيير بوجه منظومة السلطة والأحزاب وشركائها بالقطاع المصرفي، أفقد بعض المصارف صوابها، ما دفع بها للدخول على خط الانتخابات النيابية بدعم لوائح وتمويل أخرى. وليس هذا فحسب، بل ذهب البعض منها إلى استغلال حاجة الناخبين إلى السيولة، فعمدت إلى إغرائهم برفع سقوف السحب لديهم، ومنهم من عرض على ناخبين الإفراج عن جزء من ودائعهم الدولارية. وليس أحقر من مصرف يحتجز أموال مواطن ويفرج عن أموال آخر بعد ضمان صوته الانتخابي لمرشحين باسمه.

بين عجلتون وبيروت
أفاد مواطنون في دائرة بيروت الأولى أن مصرف سوسيتيه جنرال SGBL، وهو المصرف ذي السجل الحافل في تمويل مرشحين في الانتخابات النيابية، يقوم بالتواصل مع ناخبي هذه الدائرة من مودعيه، ويعرض عليهم الإفراج عن كامل ودائعهم في حال كانت تقل عن 10 آلاف دولار وبالدولار الـfresh. أما أولئك الذين تفوق ودائعهم الـ10 آلاف دولار فيقدّم لهم عروضاً بالإفراج عن جزء من ودائعهم. أما الثمن فهو التصويت للائحة “السيادة” في دائرة بيروت الأولى، التي يتصدّرها حزب الكتائب وتدير حملتها الانتخابية بدعم وتمويل مباشر من انطون الصحناوي رئيس مجلس إدارة مجموعة بنك سوسيته جنرال في لبنان SGBL.




ولا تقتصر حالة فقدان الصواب على SGBL فقط، فقد تعمد بنك الاعتماد المصرفي في عجلتون بالدخول على خط الانتخابات كـ”سمسار” يقدّم الإغراءات للناخبين. وحسب شهادات أطباء، يقوم المصرف المذكور بتسهيل عمليات السحب النقدي لأطباء مقربون من حزب القوات اللبنانية، فيُتيح لهم سحب كامل رواتبهم ومخصّصاتهم الشهرية، كاسراً القيود والسقوف التي يفرضها على زملاء لهم معارضين لمرشحي القوات.

لم توفر المصارف مدخلاً لاستمالة الناخبين إن في الدوائر التي تدخل فيها بشكل علني عبر مرشحين رسميين كدائرة الجنوب الثالثة، عبر ترشيح المصرفي مروان خير الدين، مدير بنك الموارد أو في تلك التي تدعم فيها لوائح ومرشحين بشكل مباشر وغير مباشر كلائحة “السيادة” في بيروت الأولى، ومرشحين في عدة مناطق منهم المرشح وائل بو فاعور ونعمت افرام ونبيل عيتاني وغيرهم. ففي نهاية المطاف، الهدف واحد، هو الوصول إلى المجلس النيابي بكتلة وازنة، تملك القدرة على حمايتها من أي قانون أو إصلاحات تشريعية من شأنها المس بمصالحها ومكتنزاتها.

تكتل لحماية المصالح
بصرف النظر عن مصلحة المصارف بتحقيق فوز مرشحيها والمدعومين من قبلها وتمكينها من تشكيل تكتّل نيابي مدافع عن مصالحها في المرحلة المقبلة، غير أن أساليب البعض منها لاستمالة الناخبين عبر إغرائهم بأموال من جيوبهم، بدت نافرة جداً، ومن شأنها أن تفضح أسباب استماتة المصارف للدخول على خط الانتخابات النيابية، بهدف إيصال مرشّحيها إلى مجلس النواب.

ويتّضح من الاستحقاقات التي تنتظر مجلس النواب الجديد، سبب استشراس المصارف لتعزيز سطوتها وموقعها بين أعضاء السلطة التشريعية. وليس قانون “الكابيتال كونترول” هاجس المصارف الوحيد، فهناك أيضاً استحقاقات تشريعية جوهرية أمام المجلس الجديد هي إقرار مشروع قانون موازنة العام 2022، وإقرار القانون المرتبط بإعادة هيكلة القطاع المصرفي وتعديل القانون المتعلّق بالسريّة المصرفية، وغيرها من التشريعات التي تمس بالمصارف بشكل مباشر، وتحدّد مصير الغالبية الساحقة منها. والأهم من كل ذلك تحاول المصارف تحصين نفسها في مجلس النواب المقبل تمهيداً لمعركة توزيع الخسائر المالية، وتشكيل الصندوق السيادي، الذي ترسم المصارف لتسويق أصول الدولة عبره، ومعالجة خسائرها على حساب الدولة والمودعين.
بالنتيجة تكاد تكون معركة صدّ مرشحّي المصارف ومنع دخولهم إلى مجلس النواب أخطر المعارك اليوم، وترقى بخطورتها إلى مستوى معركة بوجه العدو.





المدن