الانتخابات: إن صارت برلين الشياح … لا عشنا ولا عاش الوطن!

مريم مشتاوي – القدس العربي

دقت الانتخابات اللبنانية الأبواب لتوقظ اللبنانيين من يأسهم المتمدد في ظل حكم طبقة سياسية لا تتغير من أكثر من ثلاثين سنة. الوجوه أنفسها لا تتبدل. الزعيم هو الزعيم، لا يهم حتى إن هرم أو أصابه الخرف أو ضربته البلادة. لا يهم إن نام معظم ساعات النهار واستيقظ فقط لدقائق معدودة ليظهر أمام الشعب. لا يهم إن أخطأ في تلاوة خطابه أو فقد أعصابه وطلب من الجماهير أن تصمت كي يتكلم، أو أن تهاجر ليستمر في حكمه أو تنتحر كي يرتاح من أصواتها!
وإن مات يأتي ابنه أو صهره أو أخوه ولا يهم إن كان مهبولاً أو مسطولاً أو مكروهاً. لا يهم، لا شيء يهم، ما دامت الفوضى العارمة تخيّم فوق البلاد والفساد يعشعش في الشوارع، والزواريب والبنوك والمؤسسات. والليرة تكاد تنفجر وتتفتت من شدة القهر. ورغيف الخبز بات حلماً مؤجلاً للعديد من العائلات اللبنانية!
هكذا جاءت الانتخابات لتسجل بعض المواقف «المضحكة المبكية». كان أولها انتشار فيديو مخجل لناخبين لبنانيين في برلين يرتدون تيشرتات خضراء ويعتمرون قبعات خضراء أيضاً تأيداً للرئيس نبيه بري وحركة أمل. راحوا يصرخون ويهتفون بأعلى أصواتهم «يا نبيه ارتاح ارتاح برلين صارت شياح»!
تجيبهم امرأة كانت حاضرة في الجهة المقابلة للتصويت للعدالة: «فشرت.. فشرت تصير برلين الشياح». ترددها عدة مرات قبل أن تغادر المكان.
والله «نيالنا» أو «نيال» برلين، التي أسقطت جدارها إيماناً بالحرية، فحاول «كم نفر» إلباسها الأخضر معتقدين أنهم بذلك قد أهدوها لزعيمهم.
للأسف الشديد، يبدو أن عبودية هؤلاء الأشخاص لأسيادهم قد ازدادت مع مرور السنوات وكأنها أصبحت هي وحدها هويتهم الإنسانية.
لم تعلمهم الهجرة درساً ولم يؤثر فيهم انفجار مرفأ بيروت. ولا موت الوطن. ولا موت أهالي وأطفال طرابلس في عرض البحر وهم يحاولون الهروب من زعماء الوهم ومن وطن استحال جثة هامدة والفضل كل الفضل في ذلك لطبقة سياسية فاسدة نهشت من لحم المواطنين.
نود فقط أن نذكركم كيف استقبلتكم برلين وغيرها من مدن عديدة حول العالم. لم تبعث لكم لكي تساعدونها في تطوير بلادها، كما طورتم «أنتم وزعيمكم» لبنان. ولا لتحسنوا عملتها، كما رفع زعيمكم من قيمة الليرة ولا لتحسنوا طرقاتها وتنظموا نفاياتها كما نظفتم شوارع بيروت.
استقبلتكم كلاجئين هاربين من بلاد لا أمن فيها ولا أمان. استقبلتكم بعد أن غدر بكم زعماء الوطن ولم يف أي منهم بوعوده. منحتكم بيوتاً وأشغالاً، لكنكم غير جديرين بكل ذلك. لا تفلحوا إلا بـ»تمسيح الجوخ» و»تبويس الأيادي»!
بدل أن تحولوا برلين إلى شياح أخرى – لا قدر الله – أما كان من الأفضل لكم وللبنان ولبرلين التي أحسنت ضيافتكم أن تحولوا الشياح إلى برلين أخرى من حيث التنوع والاختلاف وقبول الآخر والتحرر من عبادة العباد؟
ونفس السيناريو يتكرر في كندا أمام مركز الاقتراع، حيث يهتف أحد مناصري بري: «الأستاذ هو يلي بيعمل القانون». بس يا ريت تخبرنا أين هي القوانين التي تحمي الشعب والوطن من الفاسدين في لبنان؟ أين هم المتهمون بانفجار المرفأ؟ وأسئلة بديهية كثيرة لا مساحة في مقال لطرحها.




شو هالأيام اللي وصلنا ليها

في مشهد آخر اجتمع اللبنانيون وهم يغنون ويعزفون أغنية «شو هالأيام اللي وصلنا ليها قال إنو غني عم يعطي فقير» وتعلق على كلمات الأغنية امرأة كانت تجلس ضمن المجموعة: «إيه وقعت المصاري لحالها عليهم.. شو «هالطفنيسة» أي شو هالكذبة. قاعدين ببيوتهم عم يسرقوا في إشارة واضحة الى المسؤولين»!
وفي باريس يدخل رجل سمين يرتدي البرتقالي تأييداً للتيار الوطني الحر، أحد مراكز الاقتراع ليواجهه أحد الناخبين المستقلين الموجوعين والمفجوعين على لبنان. لقد صرخ بأعلى صوته: « وصلتم البلد للإنهيار.. تفو عليكم شو بلا شرف.. وشو بلا وطنية.. وشو بلا دين»! وسط تصفيق حاد ودعم من اللبنانيين الأحرار، الذين كانوا بانتظار دورهم للتصويت ضد الطبقة الحاكمة.

التغيير آت!

لكن رغم كل مظاهر التخلف وانسياق القطيع خلف الزعماء يبقى الأمل بوعي معظم المواطنين اللبنانيين داخل وخارج لبنان في التصويت لصالح الوطن.
ويظهر ذلك بوصول بعض الناخبين الشباب مباشرة من المطار إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم وحماس البعض الذي أظهروه من خلال سفرهم لساعات طويلة في السيارة من بلد إلى بلد آخر للتصويت. لقد سافر أحد الشبان من باريس إلى ميلانو، ثماني ساعات، وهو يقود سيارته برفقة والدته إيماناً بالتغيير.
أما في دبي فقد كان الاقتراع على وقع الأغنيات الوطنية، وقد حضر عدد كبير من اللبنانيين رافعين أصواتهم ضد أولئك الذين عفى عليهم الزمن وتركهم لنا أشباحاً تعصف وتبرق وترعد بلبنان الحبيب.
إن إرادة الشعوب هي التي ستنتصر، رغم أنف المرتشين والفاسدين والظالمين والمسيرين والحاقدين. لبناننا أخضر فقط بشبابه. هنا تحضر كلمات أحمد مطر:
نموت كي يحيا الوطن
يحيا لمن؟
نحن الوطن!
إن لم يكن بنا كريماً آمناً
ولم يكن محترماً
ولم يكن حراً
فلا عشنا… ولا عاش الوطن!