المال الانتخابي في طرابلس: الكل يعبّئ استمارات شراء الأصوات

جنى الدهيبي – المدن

تستعر المواجهة الانتخابية في دائرة الشمال الثانية، ويتمحور ثقلها في مدينة طرابلس، وعنوان هذا الأسبوع: من يدفع أكثر لشراء الأصوات؟




سيل من الانتهاكات
يتقدم المال الانتخابي في طرابلس على أي عنوان سياسي آخر لدى معظم القوى التقليدية وبعض الناشئة حديثًا. وإذا كانت المدينة عهدت من قياداتها ورموزها الانفاق الهائل والرشاوى كمقابل لشراء الأصوات في الانتخابات المتعاقبة، وقبيل أيام من فتح صناديق الاقتراع، فإن سمة انتخابات 2022، أن المال هو المحرك الأقوى للشارع وجذب الناخبين واستغلال الفقراء بأبسط حاجاتهم. فلا استمارات تُقدم من دون ضمان ثمنها!

وعمليًا، في طرابلس التي تغزوها صور المرشحين، السياسة شبه غائبة، تخرقها بعض القوى بشعارات سيادية شعبوية، تعويضًا عن غياب تيار المستقبل، وتبدد المعركة بظل عدم ترشح رئيس الحكومة نجيب ميقاتي.

وعلى مدار أيام، رصدت “المدن” من خلال شهادات ميدانية، سيلًا من انتهاكات يمارسها مرشحون يتنافسون على قيمة الرشاوى التي أضحت مزادًا علنيًا.

والمفارقة راهنًا، أن داتا المعلومات والاستمارات حول الناخبين الذين تُدفع إليهم الرشاوى، هي شبه موحدة بين معظم اللوائح التي تمتهن هذا السلوك. بمعنى أن شرائح واسعة من الناخبين الذين يملأون أسماءهم على ما يعرف باستمارات الأصوات، يتقاضون أثمان ذلك من أطراف عدة ومتناقضة، وهو يعمق قدرة المرشحين على ضمان الأصوات لصالحهم.

وحسب المعلومات أيضًا، فإن معظم اللوائح التي تسعى لاستقطاب الناخبين، تنشط عبر وسطاء يحضرون لها استمارات بأسماء الناخبين، ويكون لكل استمارة ثمن وفق عدد أسمائها وتوزعهم الجغرافي.

وتتفاوت المبالغ والتقديمات بين لائحة وأخرى، وحتى بين أطراف اللائحة الواحدة الذين يتنافسون فيما بينهم على الصوت التفضيلي، وتاليًا يلجأون كأفراد إلى تقديم الرشاوى لضمان أكبر عدد من الأصوات التفضيلية.

أشكال الرشاوى
وحسب المعطيات، تشكو اللائحة المدعومة من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من ضعف الدعم المادي لها! وهو أمر كان متوقعًا في ظل عدم ترشح ميقاتي. ويظهر الأمر أيضًا بغياب لائحته “للناس” عن أي سجال أو دائرة استقطاب، ما يفاقم ضعفها بالشارع، حيث يقتصر حضورها على اليافطات الإعلانية البيضاء.

ومع ذلك، فإن ثلاثة مرشحين من هذه اللائحة يسعون للتقدم بأي ثمن، ويتحركون ميدانيًا عبر تقديماتهم وخدماتهم بمعزل عن شح الدعم الذي يقدمه ميقاتي للائحة. وفي طليعة هؤلاء، سليمان جان عبيد، المرشح عن المقعد الماروني، الذي بدأت حركته تظهر في المدينة. وثمة معطيات عن تقديمات مادية وعينية يوزعها تعزيزًا لحظوظه بالاقتراع، في ظل منافسته الشرسة مع مرشح القوات. كذلك يفعل كريم محمد كبارة، الذي يقود معركة وراثة مقعد والده وشعبيته. إذ يقدم مبالغ كبيرة للمفاتيح الانتخابية وحاملي الاستمارات، مقابل مبالغ صغيرة للناخبين، قياسًا لأوضاعهم. أما النائب علي درويش، فما زال يتكل على دعم ميقاتي ماديًا ومعنويًا للحفاظ على مقعده العلوي، في ظل ضعف وضعه الشعبي في جبل محسن، وتقدم مرشحين آخرين بخدماتهم، وفي طليعتهم مثلاً محمد الطرابلسي، لائحة فيصل كرامي، وبدر عيد على لائحة النائب السابق مصطفى علوش.

توازيًا، تشير معطيات رصدتها “المدن” إلى أن الوزير الأسبق أشرف ريفي وبالشراكة مع حزب القوات اللبنانية، ينشطون على نطاق واسع لجهة تقديم الرشاوى الانتخابية. مثلًا، يُعرض من قبلهما على الصوت الواحد ما معدله مليون ليرة، ينخفض ويتصاعد وفقا لطبيعة الناخبين، ناهيك عن مبالغ ضخمة تقدم للمفاتيح الانتخابية والوسطاء وأصحاب الاستمارات، وبعضها يُدفع بالدولار. كما تتحدث المعطيات عن خلاف نشب بين ريفي والقوات على خلفيات مالية أيضًا متعلقة بالحملة الانتخابية وحشد الأصوات في طرابلس، خصوصًا أن القوات تبذل جهدًا لتوفير أصوات تفضيلية لمرشحها إيلي الخوري، ولا تخوض معركة حشد الأصوات لريفي.

أما لائحة النائب فيصل كرامي المتحالف مع النائب جهاد الصمد وتيار المردة عبر مرشحها رفلي دياب، فهي تنتهج السلوك عينه. لكن المفارقة أن كرامي لديه بلوكات في طرابلس وتحديداً الموظفين في مؤسساته الاستشفائية والخدماتية. كما يعمد رفلي دياب إلى تقديم الخدمات المادية والعينية سعيًا لكسب معركة المقعد الأورثوذكسي.

وتتراوح الخدمات العينية بأشكال مختلفة، بين قسائم شرائية ودفع فواتير طبية ودوائية وأقساط مدرسية وتسجيل سيارات، وتوفير رخص أسلحة وتعديات على أملاك عامة وعبوات حليب وغيرها.

المتمول وولائمه
هذا الواقع، لا تنتهجه أقطاب القوى التقليدية فحسب، بل بعض القوى الناشئة حديثًا التي تترشح تحت شعار التغيير والثورة. وفي طليعتها هؤلاء، المرشح إيهاب مطر، وهو متمول كبير يتحالف مع الجماعة الاسلامية بلائحة “التغيير الحقيقي” في دائرة الشمال الثانية. وفيما يظهر حجم الإنفاق الهائل لمطر عبر الدعاية الإعلانية له، تشير معلومات “المدن” إلى أنه يدفع مبالغ كبيرة للناخبين في المناطق الشعبية، ويقوم بتسديد إيجارات وديون، إلى جانب الولائم التي يقيمها لجذب الناخبين، سعيًا منه لحصد عدد كبير من الأصوات التفضيلية.

كذلك يفعل المرشح عمر حرفوش، الذي تمكن من استقطاب مفاتيح انتخابية كانت محسوبة على تيار “المستقبل”، ويدفع لها مبالغ هائلة يوميًا بمئات الملايين، بعضها بالدولار النقدي، لتوزيعها على الناس سواء نقدًا أو عبر الخدمات. في حين، يعمد مرشحون آخرون كثر من القوى المنبثقة عن المجتمع المدني إلى تقديم الخدمات بطريقة غير مباشرة للناخبين، قياسًا لميزانيتها وأوضاعها المادية.

المعركة السياسية!
وواقع الحال، تتكثف المعركة السياسية في طرابلس على أصوات المستقبليين، وتدور عمليًا بين النائب السابق مصطفى علوش واللواء أشرف ريفي. غير أن المعطيات تفيد أن معظم كوادر المستقبل، تصب جهدها لتوفير أكبر قدر من الأصوات التفضيلية لعلوش، وذلك نظرًا لحيثيته في المدينة، إضافة إلى أنها تتفادى منح الأصوات للائحة مدعومة من القوات.

وحتى الآن، تتقدم حظوظ المرشحين على خمس مقاعد سنية في طرابلس بين كل من علوش وريفي وكبارة وكرامي وكذلك مرشح الأحباش على لائحة كرامي طه ناجي، الذي ينفق الكثير من المال الانتخابي النقدي والخدماتي. وما زال مصير المقعد الخامس غامضًا.  في حين أن مقعدي الضنية أقرب للنائبين جهاد الصمد وسامي فتفت، بينما مصير مقعد المنية ما زال غامضًا رغم مساعي نائبها عثمان علم الدين (لائحة ريفي) للحفاظ عليه.

ويتوقع كثيرون أن تشهد الأيام القليلة المتبقية تصاعدًا للإنفاق في طرابلس، ومحاولات كل الأطراف لشراء أكبر قدر من الأصوات، في معركة تشوبها الضبابية وانعدام الثقة بين أقطاب اللائحة الواحدة.