عكار: الصوت بمليون ليرة.. والقرار للنظام السوري بوادي خالد

جنى الدهيبي – المدن

مع انطلاق انتخابات المغتربين في الخارج، بدأ العد العكسي للاستقطاب السياسي والشعبي في دائرة الشمال الأولى، التي تشمل مختلف قرى وبلدات محافظة عكار. وفي رصد آخر مستجدات هذا الاستقطاب، تسلط “المدن” الضوء على معضلتين: أولهما، إغداق كبير للمال السياسي ومن معظم القوى المتصارعة التي تسعى لدفع ثمن الأصوات، وتخوض لعبة “جذب الصوت السني” في ظل غياب تيار المستقبل. وثانيتها، اشكالية الانتخابات في وادي خالد كمنطقة حدودية مع سوريا، حيث يسعى بعض كبارها ورؤساء عشائرها ورجال أعمالها الذين امتهنوا التهريب واستفادوا من تفلت الحدود، إلى مخاطبة الناخبين بالمال الانتخابي من جهة، واسترضاء الجانب السوري ونظامه، واللبنانيين المقيمين هناك من جهة أخرى.




صوت المليون ليرة
كما هو معلوم، تتنافس في عكار 8 لوائح، وتتمحور المعركة بين 3 لوائح سياسية: الأولى هي “الاعتدال الوطني” وتضم قدامى المستقبل بائتلاف جمع النواب وليد البعريني وهادي حبيش ومحمد سليمان (من وادي خالد). والثانية هي “عكار أولًا” مدعومة من التيار العوني ويرأسها المرشح محمد يحى (من وادي خالد)، والثالثة هي “عكار” مدعومة من حزب القوات اللبنانية. فيما لائحة “الوفاء لعكار” المدعومة من تيار العزم برئاسة نجيب ميقاتي، تتقدم بخطوات بطيئة جداً مع منسقها هيثم عز الدين؛ مقابل 4 لوائح أخرى منبثقة عن المجتمع المدني.

حصة عكار هي 7 مقاعد برلمانية. 3 مقاعد للسنة، مقعدان للروم الأورثوذوكس، مقعد ماروني ومقعد علوي. وترجح التقديرات أن يتراوح الحاصل الانتخابي في عكار بين 17 و18 ألف صوت، علماً أن ما لا يقل عن 100 ألف ناخب في المحافظة قد يشاركون في عملية الاقتراع.

وفي معلومات ميدانية لـ”المدن”، بدأ يظهر منذ الأيام الأخيرة إغداق كبير للمال الانتخابي، وهدفه شراء أصوات الناخبين، ومعظم القوى السياسية الرئيسية، تسعى لاستمالة الناخبين السنة، وتحديدًا أولئك الذين كانوا محسوبين على تيار المستقبل.

وفيما يعمد عدد كبير من المرشحين إلى تقديم مساعدات كرشاوى انتخابية، ومنها خدمات استشفائية أو تركيب طاقة شمسية أو معونات غذائية أو بونات محروقات، تدرج في عكار ظاهرة شراء الأصوات. حتى أن شريحة من الناخبين أضحت تصر على تقاضي ثمن صوتها سلفًا، مقابل إعطاء وعد بالتصويت لهذه اللائحة أو تلك. ويتراوح ثمن الصوت الواحد، وفق المعلومات، بين 700 ألف ليرة ومليون ليرة، تحت مسمى “مندوب شعبي”، في حين لا يفصح بعض المرشحين المنضوين في لوائح سياسية معروفة عن المبالغ التي يتقاضونها، وذلك خشية الدخول في منافسة على الأسعار. إذ تحول سوق الأصوات إلى ما يشبه المزاد العلني! كذلك يدفع بعض المرشحين بالدولار الأمريكي للمندوبين الثابتين لديهم، بمعدل 200 دولار.

وتشير المعلومات أن هناك خلافًا داخليًا في لائحة “عكار” بين حزب القوات والنائب السابق خالد الضاهر على خلفية المال الانتخابي. وينتهج هذا السلوك معظم المرشحين المتمولين والنافذين المعروفين في المحافظة، من النائب وليد البعريني إلى النائبين هادي حبيش ومحمد سليمان، ومرشحين على اللائحة المدعومة من التيار العوني وفي طليعتهم محمد يحيى، وكذلك المرشح المتمول علي طليس على اللائحة المدعومة من ميقاتي وآخرين.

وادي خالد تسترضي الأسد
وتكتسب المعركة الانتخابية في وادي خالد خصوصية شديدة، وفيها 4 مرشحين هم: محمد يحيى (لائحة التيار العوني)، محمد سليمان (لائحة الاعتدال الوطني)، سعد الله الحمد (لائحة النهوض لعكار المدعومة من الجامعة المرعبية) وبري الأسعد (لائحة عكار التغيير).

وبحكم الجغرافيا الحدودية لوادي خالد مع سوريا، حيث تتداخل بعض القرى بالداخل السوري عند نقاط العبودية والعريضة وغيرها، أضحى أبناء الوادي كمن يضع قدمًا في عكار وأخرى في سوريا. وتنامت المصاهرة بين الطرفين والعلاقات التجارية التاريخية غير النظامية عبر خطوط التهريب، سواء بالمواشي أو المحروقات أو المواد الغذائية والإلكترونية. وهذا باب رزق كبير يعود بعشرات آلاف الدولارات، ناهيك عن ظاهرة تهريب البشر من سوريا إلى لبنان. وتحظى شريحة واسعة من أبناء الوادي بعلاقة استثنائية مع الجانب السوري.

وتعد وادي خالد من أكثر المناطق الحدودية التي يدفع أهلها ثمن التفلت الأمني ونشاط التهريب، مقابل حرمانهم التاريخي من حقوقهم في الخدمات العامة والإنماء، كما يعانون من ضعف حاد في خدمة شبكات الهواتف.

ويوجد في وادي خالد – التي تضم تجمع قرى الدريب الأعلى –  نحو 21 ألف ناخب على لوائح الشطب، وينتمون إلى الطوائف: السنية نحو 15 ألف ناخب، والعلوية نحو 4400 ناخب، والشيعية نحو 1000 ناخب، والروم الأرثوذوكس 250 ناخب وأقلية مارونية.

وفي انتخابات 2018، فاز ابن وادي خالد النائب محمد سليمان بمقعد سني على لائحة المستقبل، في حين حصد يحيى نحو 8400 صوت على لائحة التيار العوني. وترجح التقديرات تقدم الأخير في هذه الدورة الانتخابية، كونه واحدًا من كبار المتمولين ورجال الأعمال مع شقيقه رجل الأعمال مصطفى يحيى، وتجارتهما نشيطة في سوريا وعلى خط الوادي، وتتقدم بأشواط على تجارة الآخرين هناك. كما أن المرشح يحيى وفق كثيرين يعتمد على العنصر المادي في استمالة الناخبين.

ورغم أن حزب البعث العربي الاشتراكي لا يملك مرشحًا في عكار كتمثيل للنظام السوري، لكن معظم المرشحين، وفق المعطيات، من رجال أعمال وناشطين على خطوط التهريب، يحاولون الاستفادة من العلاقة مع الداخل السوري لاستمالة الناخبين عبر تقديم أوراق الاسترضاء والاعتماد لدى النظام، خصوصًا أن معظم المرشحين المتمولين ومن مختلف اللوائح لديهم مصالح كثيرة في سوريا.

ويراهن هؤلاء المرشحون المتمولون على جذب اللبنانيين المقيمين في سوريا، مثل طرطوس وتل كلخ، ومن المرجح أن يشارك معظمهم بالانتخابات، وهم يؤيدون النظام السوري، ويترقبون الضوء الأخضر لدعم إحدى اللوائح المتنافسة.

وعليه، تتداخل عوامل كثيرة في انتخابات عكار، ويترتب عليها الكثير في نتائج الانتخابات، بين ما هو مادي وما هو مرتبط بالداخل السوري وما هو مرتبط بالاعتبارت العائلية والصراعات السياسية التي تبلغ ذروتها على التنافس في جذب الأصوات السنية أولًا، ومن ثم الأصوات المسيحية من أورثوذوكسية ومارونية وعلوية.