العصا الفرنسيّة فعلتها: المصارف سلّمت داتا سلامة

سبعة أشهر مرّت منذ أن بدأ القاضي جان طنّوس بطلب داتا الحسابات المصرفيّة الخاصّة بشقيق حاكم مصرف لبنان رجا سلامة، بالاستناد إلى المعطيات المتوفّرة في الملف الموجود بحوزته، وطلبات التعاون القضائي الأوروبي.
ومنذ ذلك الوقت، استمرّت المصارف اللبنانيّة بالإصرار على عدم التعاون مع طلبات القضاء اللبناني، لعلمها –وعلم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة من خلفها- أن تسليم هذه الداتا الخطيرة من شأنه كشف آخر عناصر العمليّات المشبوهة التي تورّط بها الشقيقان سلامة، عبر الكشف عن كيفيّة تحصيل عمولات “شركة فوري” في لبنان قبل تبييضها في أوروبا.

مع الإشارة إلى أن جميع هذه التحقيقات مرتبطة بالتحقيقات المتعلّقة بملف “شركة فوري”، الشركة المسجّلة باسم شقيق حاكم مصرف لبنان، والتي تم استخدامها كأداة لجني نحو 330 مليون دولار من العمولات غير المشروعة على حساب المال العام في لبنان، قبل تحويل هذه الأموال إلى ملكيات عقاريّة واستثمارات ماليّة في أوروبا، تحت ستار شبكة من الشركات الواجهة والوهميّة.




عويدات استلم الداتا
على مدى الأشهر السبعة الماضية، تمنّعت المصارف عن تسليم طنّوس هذه الداتا، بذريعة وجود قانون السريّة المصرفيّة، فيما غطّى كل من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ومدعي عام التمييز غسان عويدات تمرّد المصارف عبر عرقلة “الحلول الأمنيّة” التي حاول القاضي طنّوس القيام بها لفرض استلام الداتا. مع العلم أن قانون السريّة المصرفيّة لا يفترض أن يغطّي قضايا الإثراء غير المشروع، التي يحقق بها القاضي طنّوس.

على حين غرّة، انقلب المشهد بشكل مفاجئ، بعد أن استلم مدعي عام التمييز غسان عويدات يوم أمس الداتا المصرفيّة المتعلّقة بجميع حسابات رجا سلامة منذ فتحها، ومن تسعة مصارف لبنانيّة مختلفة (من بينها المصارف الستّة التي طالبها طنوس سابقًا بالداتا وهي: عودة، ومصر ولبنان، والبحر المتوسّط، والاعتماد اللبناني، وسردار، والموارد). وهذه الخطوة، جاءت بعد الإنذار الخطّي الذي وجهه عويدات إلى المصارف الستّة منذ أسبوعين، والذي حذّرها من نتائج استمرار تمنّعها عن تسليم داتا رجا سلامة. وهذا الإنذار مثّل أولى إشارات انقلاب عويدات على رياض سلامة، وانتقاله إلى ضفّة المطالبين باستلام الداتا، بعد تغطيته التمرّد المصرفي على طلبات القاضي طنّوس وعرقلته مداهمات المصارف.

الإخراج الذي جرى يوم أمس، قضى بتسليم الداتا لعويدات عبر هيئة التحقيق الخاصّة، في محاولة لحفظ ماء وجه المصارف التسعة المعنيّة بالملف، باعتبار أنها لم تتنازل وتسلّم الداتا للقضاء مباشرةً بعد تمنّعها لمدى ستة أشهر. بل سلّمت الداتا لهيئة التحقيق الخاصّة التي تملك وحدها –حسب تفسير المصارف للقانون- صلاحيّة رفع السريّة المصرفيّة. وبمجرّد استلام عويدات للداتا المذكورة، بات بإمكان كل من طنّوس والنيابات العامّة الأوروبيّة التي تنسّق معه المضي قدمًا في تحليل حركة حسابات رجا سلامة، ومن ثم ربطها بعمليّات تبييض الأموال التي جرت في أسواق والمال والعقارات الأوروبيّة.
مع العلم أن التنسيق جارٍ لهذه الغاية مع أربع دول أوروبيّة قامت بتوجيه طلبات تعاون قضائي للبنان، هي فرنسا وسويسرا وألمانيا ولوكمسبورغ.

العصا الفرنسيّة
لا يحتاج المرء لكثير من التحليل لفهم ما جرى يوم أمس، إذ تزامن تسليم هذه الداتا مع بدء جولة البعثة القضائيّة الفرنسيّة التي تجوب العاصمة بيروت، والتي هدفت لتكثيف الضغط على القضاء والمصارف في لبنان، للتعاون مع التحقيقات الجارية في ملف الأخوين سلامة. وحسب المعطيات المتوفّرة في هذا الملف، شمل الوفد كل من القاضية أود بوريسي المكلفة بمتابعة التحقيق الفرنسي في هذه القضيّة، بالإضافة إلى محقق معاون لها ومندوب عن السفارة الفرنسيّة في بيروت. وكما بدا واضحًا من الأجندة التي حملها الوفد، هدفت الزيارة إلى تنسيق بعض المعطيات الموجودة بحوزة الجانبين الفرنسي واللبناني، والاطلاع عن قرب عن أسباب عرقلة بعض جوانب التحقيق في لبنان، بما فيها مسألة داتا حسابات رجا سلامة. كما شملت النقاشات التي أجراها الوفد مع قضاة النيابة العامة التمييزيّة مسألة الحجوزات على أملاك الشقيقين سلامة والحلقة المحيطة بهما في أوروبا، وطبيعة الأدلّة التي توصّل إليها المحققون الأوروبيون، والتي يبدو أنها كونت فكرة واضحة عن كيفيّة تبييض الأموال الناتجة عن عقد شركة فوري.

باختصار، استبق عويدات زيارة الوفد الفرنسي التي بدأت بالأمس، حين أرسل الإنذار للمصارف الممتنعة عن التعاون مع طنّوس قبل أسبوع. ثم أستبقت هيئة التحقيق الخاصّة الجولة الفرنسيّة أيضًا، عبر تسليمها عويدات الداتا التي يطلبها القاضي طنّوس، ومن خلفه النيابات العامّة في أوروبا. وكجزء من مشهد “التبرّؤ من رياض سلامة”، بالتزامن مع زيارة الوفد، جاء تصريح رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، والذي رفع الفيتو الذي فرضه سابقًا في وجه فكرة استبدال حاكم مصرف لبنان. وفي خلاصة الأمر، غسل الجميع يديه من رياض سلامة: عويدات والمصارف ونجيب ميقاتي.

استدعاء سلامة إلى التحقيق
اجتماعات الوفد الفرنسي مع القاضي عويدات، أفضت إلى تسليمه لائحة مطوّلة بالاتهامات الموجهة إلى حاكم مصرف لبنان، والتي يُفترض أن يتم التحقيق بها من قبل القضاء اللبناني في جلسات استجواب خاصّة مع حاكم مصرف لبنان. مع الإشارة إلى أن الجانب اللبناني سمع من الوفد الفرنسي كلامًا صارمًا بخصوص أي محاولة للمماطلة في هذا الملف، أو التلكّؤ عن جمع المعلومات التي يمكن أن يتم طلبها من الجانب اللبناني بموجب طلبات التعاون الأوروبيّة، خصوصًا أن النيابات العامّة الأوروبي تعتبر نفسها صاحبة صلاحيّة للنظر في قضيّة الحاكم، بحكم إتمام عمليّات تبييض الأموال على الأراضي الأوروبيّة.

كل هذه التطورات عادت ووضعت ملف مصير حاكميّة مصرف لبنان على بساط البحث، وهو ملف يُفترض أن يتم البت به بعد الانتخابات النيابيّة. وحتّى اللحظة، يبدو أن رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي بات آخر من يتمسّك ببقاء الحاكم حتّى نهاية ولاية رئيس الجمهوريّة، في محاولة لتحييد ملف استبدال الحاكم عن سطوة العهد وابتزاز “التوقيع الرئاسي”. إلا أن صمود الحاكم حتّى ذلك الوقت، والحفاظ على غطاء سياسي وازن يسمح ببقائه رغم جميع الضغوط القضائيّة الخارجيّة، قد لا يكون مضمونًا خلال الفترة المقبلة، خصوصًا في ظل مسارعة جميع الأطراف الأخرى المؤثّرة إلى سحب يدها من معركة دعم رياض سلامة.




المدن