“السنّة” وأخطر الخبث!

نبيل بومنصف – النهار

يبلغ الصخب المفتعل حيال مسألة الخيار بين المقاطعة أو المشاركة السنية حدوداً تكاد تختصر معها هذا الاستحقاق برمّته على قاعدة تحميل السنّة وحدهم “آثام” ما يصح وما لا يصح. بطبيعة الحال، وما دمنا في “جنة” الطوائف، وتحت أحكام قانون انتخاب أمعن إمعاناً لا سابق له في تطييف ومذهبة العملية الانتخابية، سيتعيّن أكثر فأكثر على نخب السنة أن يواجهوا ما لم يسبق لهم أن فعلوه منذ اغتيال رمزهم الأكبر الرئيس رفيق الحريري، مع أن اغتياله زاد من إسقاط حصرية “انتمائه” الى السنة وحدهم باعتباره رمزاً لبنانيا عابراً لكل الطوائف. ومع ذلك فإن ما ينبغي التوقف عنده لبنانياً ووطنياً في المقام الأول يجعل المشاركة أو المقاطعة لدى السنة أو لدى كل الطوائف ما دام المعيار طائفياً، مسألة أساسية من زاوية منع تمرير أخطر الأسافين في النظام الديموقراطي بمفهومه المطلق ولا نعني به النظام الدستوري الوضعي الحالي فقط.




قد نكون أمام إحدى أخبث المحاولات لزرع حقل ألغام داخل إحدى أكبر الطوائف المؤسِّسة للكيان بما يحوّلها الضحيّة الكبرى على مذبح انتخابات يتباهى الحالمون بتصيّد مكاسبها وانتصاراتها المزعومة من الآن عبر حرب دعائية مضخمة على نحو هائل تتماهى معها أو تتساقط أمامها وسائل إعلام كثيرة ولا تقف في مواجهة استهدافاتها الخبيثة أقله وطنياً وسيادياً.

ولعل الأخطر في ما شهدناه وما سنشهده في الباقي من الأيام الفاصلة عن الخامس عشر من أيار، أن تغدو الساحة السنية موئل التركيز الأكبر لجهة “شيطنة” المقاطعة وتصويرها بأنها الجريمة الموازية لاغتيال رفيق الحريري وتمجيد المشاركة وكأنها ستنهي “حكم السلاح” والثأر لحقبة 7 أيار فعلاً لمجرد زيادة نسبة المشاركة بضع نقاط لا أكثر. يراد للسنة، بصريح العبارة، أن يذهبوا بأقدامهم ومشاعرهم وانفعالاتهم ووسط ضياع “تاريخي” لا يشبه سوى الصدمة الهائلة التي أحدثها اشتعال حرب الاغتيالات مع تصفية رفيق الحريري، الى حرب قبيلة أهلية داخلية تفتح البوابات على توظيف ضربهم واستغلاله تحت شعار التضارب بين خياري المشاركة والمقاطعة.

والحال أنه بشكل أكثر “وقاحة” في إعلاء هذا الهدف ثمة من يظهر نشوة في أن هذا الاستحقاق الانتخابي بصورته الشاملة قد يشكل انزلاقاً شديد الخطورة نحو تصفية الخيارات الديموقراطية المفتوحة إذ تحوّل أكثر بكثير – وبدرجات أعلى “جنوناً” من الدورة السابقة في 2018 – حلبات لحروب داخل الطوائف المسيحية والدرزية والسنية باستثناء الطائفة التي يقبض على خيارها الأحادي الحصري الخانق الثنائي الشيعي نفسه.

ومهما تكن المآلات التي ستفضي إليها هذه الانتخابات تغدُ مسألة “تأثيم” أو “تجريم” خيار واسع تقرّره أو تجد نفسها أقرب إليه الفئة الأكبر داخل #الطائفة السنية، مسألة تتصل بحرّية الخيار أولاً وأخيراً، من دون أن يعني ذلك تصفيقاً أو تشجيعاً لهذا الخيار بل حماية لديموقراطية يحترم فيها المقاطعون والمشاركون خياراتهم المتباينة ولا يخدمون المتربّصين بفلول الديموقراطية الحرّة. وما يجب التنبّه إليه هنا هو أن “الاختراق” المحتمل على يد المحور الممانع الخصم لمعظم السنة بانتخاب عدد من النواب السنة الموالين، لن يكفل له الزعم بانتصار يجري تحميل المقاطعين تبعته من الآن. لقد “عيّن” الوصيّ السوري مجالس نيابية متعاقبة خلال احتلاله للبنان ولم يكفل له ذلك أي شرعية ولم يحمه من الانسحاب المذلّ. وتكراراً، لا نورد هذه الحقيقة تشجيعاً للمقاطعة!