الإرباك مستمر عند السنّة… والحريري لن يبدّل موقفه

رضوان عقيل – النهار

تفتح مراكز اقلام الاقتراع في البلدان الاسلامية غداً الجمعة حيث يتوجه المسجلون للادلاء بأصواتهم التفضيلية على اللوائح التي انتشرت كالفطر في الدوائر. واذا كانت الاحزاب والزعامات التقليدية تفعل ما يناسب مصالحها للحفاظ على مقاعدها في البرلمان، فان جمعيات المجتمع المدني لم تتوحد ولم تقدم النموذج المطلوب بعدما أثبت رواده انهم لا يختلفون في الركض نحو الكرسي شأن مرشحي العائلات السياسية والحزبية التي تذوّقت “أفيون النيابة” على قول الأستاذ غسان تويني. وتعترف جهات ديبلوماسية غربية كانت تعول على “التغييريين” بانها أصيبت بالصدمة من اكثر اعضاء اللوائح حيث لا يختلف اكثرهم عن اقرانهم الذين سنحت لهم الفرصة وانضموا الى لوائح الاحزاب الكبرى. ولو كان هؤلاء يضمنون انهم سيحلون في لوائح السلطة التقليدية لسارع اكثرهم الى رفع صورة الزعيم. وفي المناسبة، فان الحديث عن تكليفٍ شرعي متهم “حزب الله” بتطبيقه وهو لا ينكر هذا الامر، موجود بأساليب اخرى عند افرقاء آخرين.




ويبقى الجانب الذي يشغل المراقبين هو كيفية تعاطي الناخبين مع هذا الاستحقاق، ولا سيما عند المكون السني الذي يشهد حالات من التشتت الانتخابي بعد القرار الكبير الذي اتخذه الرئيس سعد الحريري بالعزوف عن المشاركة في الانتخابات، الأمر الذي سيؤثر على اقبال الناخبين السنّة ولو لم يدعُ الى المقاطعة. وهذا ما ستشهده دائرة بيروت الثانية على أرض الواقع رغم دعوة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان في خطبة عيد الفطر الى أوسع مشاركة، وتحذيره من خطورة الامتناع عن الاقتراع حيث وضع الاستحقاق المقبل في ميزان الفرصة المتوافرة لتحقيق التغيير وعدم انتخاب الفاسدين. وجاءت كلمات خطبته ودعوته مدروسة باتقان ولا تحتمل التأويل، مع ترجيح ان يكون دريان قد توصل الى هذا الموقف مع شخصيات من نخب الطائفة ولبنان من اصحاب المراس والخبرة في تاريخ البلد.

ومن يعرف دريان وحقيقته يدرك ان الرجل يؤيد الحريري قلباً وقالباً لكنه يدعو الى المشاركة عن حق وليس من باب انه قال كلمته ومشى. وثمة علاقة تربطه مع آل الحريري تعود الى أيام الرئيس رفيق الحريري الذي كان يعبّر عن مودته للمفتي الذي كانت تربطه علاقات فاترة مع الرئيس #فؤاد السنيورة إذ لا يلتقيان على أكثر من ملف. ويجاهد السنيورة في الايام التي تسبق الانتخابات لرعاية لائحة “بيروت تواجه” التي تعاني جملة من المشكلات حيث ينشط كل عضو فيها وسط تمييز بين مرشح وآخر فضلاً عن شح في النفقات المالية.

وكان السفير السعودي وليد البخاري قد استقبل السنيورة واعضاء هذه اللائحة اكثر من مرة، وهي تواجه عقبات مهمة من لوائح منافسة لها في بيروت الثانية مثل “لتبقى بيروت” المدعومة من حركة “سوا للبنان” التي تظهر متماسكة، رغم ان بعضها ومنها لائحة النائب فؤاد مخزومي تضخم حجرها الانتخابي.

وبعد خطبة المفتي لن تغيب التفسيرات حيال مسألة دعوة السنّة للاقتراع وخصوصاً في عقر دارهم في العاصمة حيث ستكون مشاركتهم في الدوائر الاخرى أكبر بسبب جملة من الاعتبارات العائلية والسياسية في مناطق عكار والبقاع. ويعترف مراقبون من نخب سنية محايدة تتعاطى مع الانتخابات بهدوء بان دعوة دريان جاءت من باب ان يتحمل السنّة مسؤولياتهم وعدم تكرار تجربة المسيحيين في 1992، ولو من دون توقع ان تكون نسبة المشاركة وأرقامها مرتفعة لجملة من الاسباب منها توزع اللوائح وتشتتها في العاصمة وغيرها الامر الذي سيؤدي الى الانكفاء. ولا حاجة الى تكرار ان السنّة هم اول المتضررين من قانون الانتخاب الساري. ويبدو ان حصيلة لقاءات السنيورة مع مقربين من حلقة الحريري لم تحقق الهدف المنشود منها، لا بل زادت مساحة التباعد حيث تم الاكتفاء بتكرار مواقف سابقة وتبادل تحميل المسؤوليات من جراء ما وصلت اليه أحوال السنّة انتخابياً في بيروت والمناطق. وتجزم شخصية على التصاق بالحريري بأن الرجل لن يقدم على تبديل موقفه المعهود الذي اطلقه حيال الانتخابات، وان اركان السنّة الذين يستبسلون في مواجهة “حزب الله” في العاصمة وغيرها لن يقدروا على التصدي له مهما ارتفعت حججهم وصرخاتهم، ومنهم مخزومي الذي يعرف ان لاحظ له بالوصول الى السرايا من دون التفاهم مع الحزب. ورغم متابعة الديبلوماسيين الغربيين في بيروت الانتخابات وارسال مراقبين اوروبيين، الا ان عواصمهم تركز على مشهد أوكرانيا اكثر من اهتمامها بالتدقيق في مشاركة ابناء الطريق الجديدة والاشرفية في الانتخابات. ويبقى ان مرشحين سنّة وغيرهم من الذين يتصدرون الشاشات والمنابر لن يحصلوا الا على عشرات الاصوات، ويحسمون بأنهم لن ينتخبوا الرئيس نبيه بري لرئاسة المجلس، وهذا حقهم اذا نجحوا. ولا يكتفون بذلك بل يحددون في الوقت نفسه مسألة البت بالودائع في المصارف وكيفية التعامل مع صندوق النقد الدولي.