شركات التأمين تربح الملايين بالدولار وتغطّي الحوادث بالليرة

تحصّن شركات التأمين في لبنان نفسها في مواجهة الانهيار المالي الحاصل، بقضم حق المؤمّنين المتضرّرين من جهة، وبالتذاكي على السلطة الرقابية والالتفاف حول القوانين من جهة أخرى. بمعنى آخر، تسلك شركات التأمين كافة السبل للتهرّب من مسؤوليتها تجاه من تربطها معهم عقود تأمينية، لاسيما الإلزامية منها، أصحاب بوالص التأمين الإلزامي هم أولى الضحايا، فهل تعجز شركات التأمين فعلاً عن تغطية أضرارهم؟

عدد الآليات وتكلفتها
تسير على طرقات لبنان نحو مليون و800 ألف سيارة و800 ألف مركبة بين دراجات وسيارات تاكسي وكميونات. أي ما مجموعه مليونين و600 ألف آلية. وبالنظر إلى رفع شركات التأمين  أسعار بوالص التأمين الإلزامي بخلاف التسعيرة الرسمية المحدّدة من وزارة الإقتصاد، فإنها تتقاضى من إجمالي بوالص التأمين الإلزامي نحو 26 مليون دولار سنوياً، باحتساب قيمة بوليصة التأمين الإلزامي بنحو 10 دولارات كمعدّل وسطي، علماً أن هناك بوالص للسيارات والآليات تفوق كثيراً الـ10 دولارات.

إذاً، تتقاضى شركات التأمين من بوالص التأمين الإلزامي نحو 26 مليون دولار كمعدّل وسطي، في حين أن الإحصائيات تفيد بأن حوادث القتلى والجرحى تكلّف الشركات في الظروف العادية 7 مليون دولار، وفي أسوأ الحالات أي في ظل ظروف استثنائية تتكلّف الشركات قرابة 12 مليون دولار. ما يعني أن الشركات تحقّق من التأمين الإلزامي للآليات أرباحاً طائلة تفوق بحدّها الأدنى 14 مليون دولار.




كيفية التغطية الصحية
تلزم شركات التأمين المؤمنين بالتوقيع على عقود وفواتير بالدولار، بمعنى أن شركة التأمين حين تسدّد للزبون تعويض عن ضرر، بمبلغ محدّد بالليرة اللبنانية تقوم بأخذ توقيعه على إيصال بالدولار، بصرف النظر ما إذا كان تقاضي الفاتورة وفق سعر الصرف الرسمي 1500 أو سعر اللولار 8000 ليرة، بالنهاية يتم التوقيع على الاستلام بالدولار. وبنتيجة ذلك تتقاضى شركة التأمين من معيد التأمين المبلغ نفسه لكن بالدولار الأميركي، وبالتالي تتقاضى بدل 15 مليون ليرة 10 آلاف دولار على سبيل المثال.

لدى شركات التأمين في لبنان معيدي تأمين (غالباً خارج لبنان) تتقاضى منهم بالدولار، وتتقاضى مجمل شركات التأمين المحلية من معيدي التأمين غالبية الفواتير التي تفوق 5000 دولار. بمعنى أن معيد التأمين لا يتدخل تحت الـ5000 دولار. ومنها من يتقاضى على أضرار الحريق مئة في المئة من معيد التأمين، ومنها من تتحمل إلى حدود الـ50 ألف دولار كلٍّ بحسب عقده. لكن بالنهاية تتقاضى شركات التأمين من معيدي التأمين بالدولار الأميركي مقابل عقود سددتها بالليرة اللبنانية حسب سعر الصرف الرسمي أو بالدولار المصرفي (اللولار) بأحسن الاحوال.
وعلى سبيل المثال تم تسجيل حوادث سير في الأسابيع الأخيرة تعود إلى مؤمنين لدى شركات Fidelity  وConfidence وAROPE  وMedgulf  وBankers. وقد قامت جميع الشركات بتغطية التكاليف الاستشفائية عن المتضررين وفق سعر صرف 1500 ليرة أو 3900 ليرة، وليس بالدولار أو حتى على سعر منصة صيرفة.

اقتراح بحل أزمة التغطية
تغطي بوليصة التأمين الإلزامي لغاية 750 مليون ليرة وبالليرة اللبنانية، أي ما كان يوازي قبل الأزمة 500 ألف دولار أميركي. أما اليوم فهي لا تزال تغطي لغاية 750 مليون ليرة على الرغم من تراجع قيمة التغطية إلى نحو 27 ألف دولار فقط (باحتساب سعر صرف الدولار 27000 ليرة). بمعنى آخر، كلما ارتفع سعر صرف الدولار تتضاءل تكاليف التغطية على كاهل شركات التأمين، وبالتالي يتراجع حجم المخاطر الواقعة عليها.

وطالما أن المخاطر لم ترتفع على شركات التأمين جراء التأمين الإلزامي، لماذا إذاً لا تعمل وزارة الاقتصاد على إلزام الشركات تغطية الاستشفاء كاملة وفق الدرجة الثالثة في المستشفيات وليس وفق تسعيرة الدولة والمؤسسات الضامنة للاستشفاء؟ وهل يُمكن أن يرفع هذا الخيار الظلم اللاحق بالمؤمّنين؟

تقدّم خبير السير، حسام شرّي، باقتراح علمي إلى عدد من النواب آملاً تبنّي اقتراحه والعمل على قوننته، ويتمثّل الاقتراح بإلزام شركات التأمين بتغطية الحوادث حتى سقف البوليصة المقرّر من وزارة الاقتصاد، وحسب شروط المرسوم على أساس استشفاء درجة ثالثة دون ارتباطها بتقلّب سعر صرف الدولار.

ويلفت شرّي باقتراحه، الذي اطلعت عليه “المدن”، إلى أنه وبالنظر إلى استعادة شركات التامين ما تنفقه على المؤمّنين بموجب البوالص الإلزامية، من معيدي التأمين بالدولار الأميركي ومن دون أي انتقاص، فإن ذلك لن يؤثر سلباً على وضع الشركات المالي، لاسيما بظل وجود عامل أساسي يتمثل بتراجع قيمة التغطية من 500 ألف دولار إلى 35 ألف دولار.

بين المستشفيات وشركات التامين
حالياً لا تعترف المستشفيات بالدرجة الثالثة ولا تستقبل وفقها المرضى، على ما يؤكد مصدر من وزارة الاقتصاد في حديث إلى “المدن”، بل تفرض على أصحاب بوالص التأمين الإلزامي الاستشفاء وفق الدرجة الثانية. وليست المستشفيات وحدها من يتواطأ على المرضى المؤمّنين بل أيضاً شركات التأمين، التي تتمسك بالتغطية الاستشفائية وفق تعرفة الضمان الاجتماعي. بالنتيجة تتحمل المستشفيات وشركات التأمين المسؤولية المشتركة التي يذهب المواطن ضحيتها وضحية غياب التغطية الاستشفائية حالياً عن حوادث السير، بشكل شبه كلي، في مقابل فرض سداد تكاليف الاستشفاء على المتضررين أنفسهم.

وردّاً على ادعاء شركات التأمين بأنها ستتكبّد خسائر فيما لو تم الأخذ باقتراح الدرجة الثالثة، يذكّر شرّي في حديث إلى “المدن” بأن الشركات تتقاضى أرباحاً من التأمين الإلزامي تفوق 13 أو 14 مليون دولار من البوالص حالياً. وهي تتكلّف بين 7 ملايين و12 مليون دولار فقط على تغطية الحوادث.

يُذكر أن الدرجة الثالثة، هي الدرجة التي تشمل عقود التأمين الإلزامي لحوادث السيارات وحوادث العمل وحوادث الأجراء الأجانب والخدم وحوادث المدارس وغيرهم من الفئات التي لا تتمتع بأي تغطية صحية واختارت الاستشفاء بالدرجة الثالثة.



المدن