صوّتوا ولا تقاطعوا… لكن لا تغيير!

عبد الوهاب بدرخان – النهار

واحد من لبنانيَين لم يصوّت في انتخابات 2018 ولم تكن الأزمة تفجّرت بعد، ولم يدعُ أحد الى المقاطعة، أو حتى الى “التغيير” والخلاص من منظومة السلطة، لكن شعار “كلّن يعني كلّن” الذي اختمر في العقول هو ما أدّى الى تلك النسبة المتدنّية من المقترعين، وإلى مقاطعة فعلية من الشباب.




لم يكن “حزب إيران/ حزب الله” الى أكثر من 46.88 في المئة ليحصل على غالبية مريحة ما لبث قاسم سليماني أن أعلنها ليتفاخر بأن أحد فروع فيلقه، الذي جاء بمن اختاره الى رئاسة الجمهورية، بات يسيطر مع أتباعه على مجلس النواب، وأن سيطرته على الحكومة صارت تحصيل حاصل. هذه المرّة، في انتخابات 2022، بعد الهزّة التي أحدثتها “ثورة 17 تشرين”، ما كان يُفترض أن يتمكّن “الحزب الحاكم” من تحصيل الغالبية ذاتها، لأن غطاءه المسيحي (“التيّار العوني”) تراجع بفعل أسوأ أزمة عرفها لبنان في تاريخه وفي عهد ميشال عون، ولأن الاقتراب من “الحزب” نفسه أو التحالف معه بات سمعة سيّئة في مختلف الطوائف.

لكي يتمكّن “الحزب” من تأمين الغالبية السابقة، بحدّ أدنى، استخدم كالعادة نقطة قوّته الوحيدة، أي سلاحه غير الشرعي ظاهراً أو مضمراً في سجلّه الأسود من اغتيالات وعمليات ترهيب، حتى إن قادته يذكّرون دائماً بأنه استطاع أن يقلب نتائج انتخابات 2009 التي أفرزت للمرّة الثانية (بعد انتخابات 2005) غالبية لم تكن في مصلحته. وبالتالي فإنه مستعدّ لتكرار اللعبة إذا جاءته الانتخابات المقبلة بمفاجأة سلبية. لكنّه يعوّل على تشرذم مفترض في أصوات السنّة والدروز ليعوّض ما سيخسره لدى “العونيين” بسبب الفشل الذريع لـ”عهد عون” والأداء الوضيع لرئيس “التيار”. لم يشأ جبران باسيل أن يتعلّم أي درس من “ثورة 17 تشرين”، ولم يعترف بأنه مكروه، صورةً وخطاباً، حاضراً ومستقبلاً، بل يعتقد أن لديه وسيلتين حاسمتين لتحصيل الشعبية: إجادته الاستفزاز الطائفي، واستناده الى “حزب إيراني” مسلّح معادٍ للدولة ومستفزّ للشعب، لكن أحداً لم يعد يصدّق ادّعاءاته.

ليست دعوات البطريرك والمفتي، ولا مناشدات زعماء الأحزاب، هي التي ستحرّك الناخبين للمشاركة أو “للتخلّص من سيطرة الفاسدين”. لا بدّ أن هناك درجة كبيرة من الصدق وحسن النيّة في تلك الدعوات، سواء للحفاظ على الديموقراطية أو للحثّ على “التغيير”، لكن قانون الانتخاب المفصّل على قياس الفاسدين يقنّن مسبقاً خيارات التصويت. فبعد سرقة أموالهم وتدهور معيشتهم وحرمانهم من الماء النظيف والكهرباء والدواء والاستشفاء، وبعد انهيار اقتصادهم وتدمير مرفئهم ومصادرة دولتهم وفقدهم الأمان، هل يحتاج الناخبون الى من يقنعهم بضرورة التغيير؟ طبعاً لا، غير أن سوء أحوالهم (80 في المئة عند خط الفقر أو تحته) كفّرهم بالبلد والسياسيين ومجلس النواب، بـ”المقاومة” ورموزها الكالحة، وحتى بـ”الثوار” المنقسمين على أنفسهم، لم يعد يؤهّلهم للتصويت العقابي لمن تسببوا بمحنتهم.

التغيير الوحيد المتوقع قد يأتي عبر الطويل الشاق الذي يرسمه صندوق النقد الدولي عبر الإصلاحات القاسية المطلوبة، لكن المنظومة العفنة ستعرقله لضمان مصالحها، أو تعطله قوى خارجية إذا بقيت إيران و”حزبها” مهيمنين على الدولة.