هل يتمسك سنّة لبنان بسعد الحريري؟

صحيح أن رئيس تيار المستقبل سعد الحريري، علّق نشاطه في الحياة السياسية في لبنان، لكنه بالتأكيد يريد العودة، مراهناً على نتائج الانتخابات التي ستجري منتصف الشهر الجاري. فالزعيم الذي ورث زعامة والده بعد اغتياله، دعا لمقاطعة الترشح، فيما توحي قيادات من تياره، إلى مقاطعة الاقتراع نفسه. إذ أن نسبة المشاركة السنية الضعيفة، ستعيد تكريس الحريري زعيما للطائفة، وتدفع الذين ضغطوا عليه من الخارج، للانسحاب من الحياة السياسية لإعادة حساباتهم، والتعويل عليه من جديد.

ويكرر الحريري باعتماده هذه الاستراتيجية، سيناريو المقاطعة المسيحية لانتخابات 92، حيث لم يؤثر نفي واعتقال القيادات المسيحية، على تأييد جمهورهم لهم، وهو ما ظهر بعد 2005، وترجم انتخابياً، لكن فوارق عدة، يمكن رصدها بين الحالتين، فالقيادات المسيحية آنذاك، المتمثلة بأمين الجميل وسمير جعجع وميشال عون، لهم صلات متفاوتة، بـ»المارونية السياسية» النابذة للآخر، وسردية علاقة المسيحيين الأحادية بلبنان، فضلا عن مواقعهم ضمن مظلومية تتراوح بين النفي والاعتقال، عقب حرب أهلية، تم الترويج، أن المسيحيين هزموا فيها. وعليه، فإن ارتباط الجمهور المسيحي بزعاماته، امتزج مع ارتباطه بالتصورات الأيديولوجية حول موقع المسيحيين في سردية تأسيس البلد، وتغذى على مظلومية الهزيمة في الحرب، ونتائجها من نفي واعتقال.




في المقابل، ورغم أن الحريرية السياسية، مثلت سنّة لبنان أو معظمهم، لكنها لم تضع سردية جديدة لعلاقتهم بالبلد، بل اكتفت بلغة عمومية حول الوطنية والعيش المشترك. مع أن السنّة كانوا بحاجة لسردية كهذه، فهم تعلقوا بالعروبة والناصرية في الخمسينيات والستينيات، وموقعهم في الحرب الأهلية، لم يتجاوز اندراجهم وتأييدهم لمنظمة التحرير، ما يعني الافتقار لعناصر ربط محلية سواء أيديولوجية أو «نضالية». الراحل رفيق الحريري، ورث عنصرين من عناصر السردية المسيحية للبلد، العلاقة بالغرب والاقتصاد الحر، الأول، جيّره لصالح علاقاته، وأحيانا لتعويم «أصدقاء» انقلبوا عليه لاحقا وهددوه بالقتل. والثاني دفعه نحو النيوليبرالية في بلد كان خارجاً لتوه من حرب أهلية مدمرة، ومحكوما بمعادلة الوصاية والسلاح، ما رتب نتائج كارثية.

وإن كانت المعادلة الأخيرة، أي الوصاية والسلاح، تصلح كمبرر، لصعوبة بناء ربط جديد بين السنّة والبلد، فإن حدث 2005 وما تبعه من نتائج، اعتبر فرصة لحسم هذه المسألة، إذ رفع تيار المستقبل، شعار «لبنان أولاً» لكن عند أول اختبار، أي الانتفاضة السورية، ظهر الانحياز السابق إلى ما يتعدى البلد، ولم يتبد بالدعم الإعلامي والإنساني فقط، بل بالانخراط في المعارك عبر إرسال مقاتلين، لا يقاس عددهم بالطبع، مع هؤلاء الذين أرسلهم «حزب الله» بشكل ممنهج ومنظم. هذه المسألة لم يتورط فيها تيار المستقبل، لكنها كشفت عن فشله في بناء ارتباط جديد للسنّة مع البلد.

افتقار الحريري لموقع ضمن سردية حول علاقة السنّة بلبنان، يوازيه افتقار إلى مظلومية يمكن أن تدفع الناس للتمسك به، فـ»الاحتلال الإيراني» الذي يصنف كمعادل لـ»الاحتلال السوري» الذي اضطهد القيادات المسيحية في التسعينيات، لم ير في الحريري خصماً عنيداً، على العكس، الأخير شارك في تسويات منحت هذا «الاحتلال» نفوذاً وقوة، حتى إن «حزب الله» دافع عن الحريري عقب ثورة تشرين ودعم استمراره، ولم يعرقل محاولة عودته لرئاسة الحكومة. التسويات ألغت ذاكرة من الاغتيالات والنفي والاضطهاد والتهديد واجتياح العاصمة عسكرياً، كان يمكن أن تتحوّل إلى مظلومية، يعتاش عليها الحريري، خلال فترة غيابه عن جمهوره.

يضاف إلى هذا وذاك، أن مشاريع الطوائف ونظراتها المتعارضة للبنان، اتصالا به بشكل متطرف أحادي، كما في حالة بعض القوى المسيحية، وانفصالا عنه وربطه بمشاريع خارجية، كما في حالة «حزب الله» ستكتسب صلابة، بفعل الأوضاع الكارثية الحالية. فالانهيار سيزيد الحاجة للارتماء في أحضان الجماعات وسردياتها، وهو ما سيجعل مهمة عودة الحريري أكثر صعوبة، حيث أن التخلي عن موضعة الحريرية ضمن سردية جديدة لعلاقة السنّة ببلدهم تستفيد من مظلومية إقصائها، سيكون معطوفاً على تخلٍ خدماتي، خلال ظرف اقتصادي شديد الصعوبة.

القدس العربي