دوائر الحضور الشيعيّ: مؤثّرات رقابيّة، وأيّ خروقات؟

مجد بو مجاهد – النهار

ترتبط الدوائر الانتخابية المحسوبة على المناطق الشيعيّة حيث حضور “#حزب الله” برقابة سياسية ومجتمعية، أكثر تأثيراً على الصعد المعنوية من دور العازل الانتخابي فوق صناديق الاقتراع في تحديد خيارات الناخبين. وتؤشر الأساليب الرقابية إلى هبوب رياح تُسيِّر المقترعين لاعتبارات عدّة متنوعة، ويكاد عصفها يطيّر العازل الانتخابي بدوره العلميّ، لا الشكليّ. ولا يخفى أنّ الحواصل الانتخابية مرتفعة في هذه الدوائر التي تكتسب خصائص تجعل المعركة غير سهلة عموماً، حيث بلغ الحاصل الأوّل في ال#انتخابات الماضية على صعيد دائرة “الجنوب الثانية” (صور، الزهراني) 21043 صوتاً بما يعتبر بمثابة حاصل مرتفع. وسجّل الحاصل الأوّل في دائرة “الجنوب الثالثة” (النبطية، بنت جبيل، مرجعيون، حاصبيا) 20526 صوتاً. وارتسم الحاصل الأول في دائرة “البقاع الثالثة” (بعلبك، الهرمل) خلال الاستحقاق الماضي من 18706 صوتاً. وإلى ذلك، طرأت ثلاثة مؤثّرات كان بها أن وُضعَت فوق القالب الانتخابي العام في هذه الدوائر خصوصاً خلال الساعات الماضية، كالآتي:




تغلَّف الاستحقاق بمصطلحات ذات أبعاد دينية استخدمها المفتي الجعفري الممتاز أحمد قبلان، من خلال عبارات “العبادة الكبرى” و”الفريضة الدينية الحاسمة” و”السلطة أمانة الله”. وامتزجت الصورة الانتخابية بتحريم الورقة البيضاء أو المقاطعة أو التردّد أو اعتزال المعركة. ولا يقلّل المراقبون هنا من دور الحشد المتشابك بين المعطيين السياسي والديني في رسم مسار الناخبين في البيئات والمناطق، في مرحلة استنفار عام لدى الفرق السياسية المتقابلة والتي تدخل فيها كلّ أنواع “الأملاح” الخطابية المتواجهة والكلمات العازفة على وتر الاستقطاب. وبرز المؤثّر الثاني مع التوجّه الذي اتّخذ طابعاً مباشراً على صعيد نواب “حزب الله” من خلال بيانات تحضّ الناخبين إلى أوسع مشاركة في الاستحقاق الانتخابي المقبل. وتحتكم صيغة الدعوة إلى اختيار كلمة مفتاح تسقط على الانتخابات تشبيه “الاستحقاق الأهمّ” في تاريخ لبنان والحضّ على التوجه نحو صناديق الاقتراع. أمّا المعطى الثالث الذي طرأ، فتمثّل بالهجوم المتّخذ طابع اعتداء عنفيّ على المرشح عن دائرة بعلبك الهرمل على لائحة “بناء الدولة” حسين رعد، خلال تأديته واجب عزاء داخل حسينية في بعلبك، ثمّ إقدام المعتدي على الادّعاء على المعتدى عليه.

وإذا كانت تتنوّع المؤثرات المترافقة مع الاستحقاق الانتخابي في المناطق المتّسمة بنفوذ “حزب الله”، فإنّ الباحث الاجتماعي أديب نعمه يطلق على واقع الصورة الانتخابيّة في هذه الدوائر مسمّى “المربّع السياسيّ الانتخابيّ، حيث يمكن قراءة نوع من العزلة الانتخابية عن لبنان كما عن نظامه المصرفي والأمني. وتأتي الانتخابات بمثابة مربّع أمنيّ إضافيّ قائم على هيئة تكوين بلوك انتخابيّ متماسك، في مقابل نوع من التفتّت على صعيد البيئات والمناطق الأخرى. ويبدو الاتّجاه واضحاً نحو تشكيل برلمان جديد مفتّت مع كتلة شيعية متماسكة يشكّلها “حزب الله”، بما يؤشّر إلى تقسيم شبيه بنوعٍ من “بلوكات” على المستوى البرلماني بما يعكس صورة مفكّكة بين المناطق”. ويستقرئ نعمه لـ”النهار” أنّه “ليس في الإمكان توقّع كيفيّة تصرّف الفئات المجتمعية في كليّتها انتخابيّاً. ولا يستطيع أحد الإمساك بالشارع الانتخابيّ عموماً بنسبة 100 في المئة. ويمكن الخروقات أن تحصل في بعض المقاعد في دوائر نفوذ “حزب الله”. ولا يمكن الزعم أنّ الأوضاع مضبوطة بنسبة كاملة لمصلحة فريقه في الجنوب والبقاع. وتبقى احتماليّة الخرق واردة بدلالة معنوية لكنّها لا تؤثّر على واقع السلطة أو على مصير البلد”. ويخلص إلى أنّ “الانتخابات آلية لإعادة إنتاج السلطة في سياق ديموقراطي لا يُعتبر متوفّراً في لبنان، حيث يُحتكم إلى قواعد غير مثالية وسط بلد مؤسّساته خارجة عن القانون وتغيب فيه العمليّة السياسية المتفاعلة بين المكوّنات. ولا يصحّ توصيف الاستحقاق المقبل بالانتخابيّ بل بمجرّد اعتماد معايير شكليّة”.

في حديث الاستطلاعات الانتخابية، يقلّل الباحث في “الدولية للمعلومات” محمّد شمس الدين لـ”النهار” من “إمكان حصول أيّ خروقات انتخابية في الدوائر المحسوبة على الحضور الشيعيّ كمسألة غير مرجّحة وسط تشدّد طائفي وحماسة مذهبية غير مسبوقة ملموسة في كلّ الدوائر ذات الحضور الشيعي، وسط تكتل شيعي انطلاقاً من الإحساس بأنّ هناك نوعاً من الاستهداف. وكان ثمّة إمكان لتحقيق خروقات، لكنّ الصعوبة نتجت عن نوع من الاصطفاف الطائفي الحادّ في كلّ الدوائر، حتّى في تلك المعروفة بانفتاحها. ويقصد هنا دائرة “جبل لبنان الأولى” (كسروان، جبيل) التي تشهد تشدّداً في التصويت لمصلحة “حزب الله” وحلفائه”. ويعتبر شمس الدين أنّ “العصب الطائفي سيشكّل أساساً في الانتخابات المقبلة على صعيد البيئة الشيعية في ظلّ الخطاب المضادّ لـ”حزب الله”، حيث يؤثّر شدّ العصب المذهبيّ على كلّ اللعبة الانتخابية”، مضيفاً أنّ “الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة مسألة أخرى تؤثّر على معطى شراء الأصوات بشكل عام، لكنّ شدّ الصعب هو المعيار الأساسيّ في الاستحقاق النيابي المقبل”.

على صعيد الصورة العامة في دوائر حضور “حزب الله”، يقرأ الباحث الانتخابيّ كمال الفغالي لـ”النهار” أنّ “إمكانية الخرق شبه صعبة على صعيد المقاعد الشيعية التي يبلغ عددها 27 مقعداً، لكنّ احتمالية الخرق تصل إلى ثلاثة مقاعد غير شيعية في دوائر الحضور الشيعي الكثيف (دوائر “الجنوب الثانية” و”الجنوب الثالثة” و”البقاع الثالثة”). ويمكن أن يحدث الخرق في “الجنوب الثالثة” من جهة المقعد السني أو الأرثوذكسي، إذا عمل “حزب الله” على توزيع أصواته التفضيلية على المرشحين عن المقاعد الشيعية. وتلفت مؤشرات الضغط الانتخابي على المرشّحين المعارضين في “الجنوب الثانية” إلى نوع من القلق الذي تستشعره لائحة “الثنائيّ” وإلّا لما كان اتّجه إلى فرض الضغط. ويتعزّز إمكان الخرق الثالث على صعيد دائرة بعلبك الهرمل من بوابة المقعد الماروني، حيث يمكن لـ”القوات اللبنانية” أن تستقطب 15 ألف صوت بقدرة شعبية، من دون احتساب الأصوات الحليفة السنية والشيعية مع حاجة إلى ما يقارب 3 آلاف صوت إضافيّ لتعزيز الوصول إلى الخرق”.