مأزق “العونية” يشتد مسيحياً ولبنانياً: “حزب الله” يخترق البيئات الطائفية لتعويمها وإنقاذها!

ابراهيم حيدر – النهار

تتحضر القوى السياسية والطائفية للانتخابات النيابية وتعتبرهااستحقاقاً مهماً يحدد ملامح المرحلة المقبلة وتوازناتها، فيما يخوضها البعض كمسألةوجودية. وفي المقابل تشتد الأزمة الداخلية على وقع الصراع المستمر وعجز الحكومة عنالتقدم في مشاريعها ومعالجة الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، ووقفالانهيار. وبات واضحاً أن الزخم الذي اكتسبته حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، تراجعوسقطت معه كل الرهانات في أن تكون حكومة انقاذ. فالمشاريع الاصلاحية المطلوبةدولياً لم تقر، حتى في ما يتعلق بالاتفاق الأولي مع صندوق النقد الدولي. الحكومةستتحول إلى تصريف الاعمال بعد 15 أيار 2022 أي بعد إجراء الانتخابات النيابية،وبات تركيز القوى السياسية والطائفية في لبنان على المرحلة المقبلة، إن كان فيتسمية رئيس مكلف للحكومة ثم تشكيلها والتحضير لمعركة انتخابات رئاسة الجمهورية،حيث تسعى أطراف إلى الحصول على الاكثرية لفرض تسويات لصالحها مستندة الى فائضالقوة واختلال التوازنات لا سيما “#حزب الله” وفريقه الذي يريد أن يكرّسالأمر الواقع والهيمنة القائمة على الرغم من غرق البلد كله في أتون الانهيار.




وبينما تبدو كل القوى اللبنانية في مأزق، ولا تستطيع أن تتقدم بمشاريعحلول للأزمة والانهيار، يظهر أن التيار العوني هو الأكثر تأزماً بسبب الضمور الذييلحق بقواعده نتيجة السياسات التي اتبعها وفشل العهد الذي يمثله في نقل البلد الىمرحلة التعافي، لا بل سقط لبنان كله في الانهيار ولم يعد من طريق للحل الا بتسوياتإقليمية ودولية ورعاية خارجية لانتشاله من أزمته. وفي المقابل يبدو “حزبالله” الطرف القادر على فرض هيمنته على الرغم من أنه يعاني أيضاً ولا يستطيعأن يقدم مشروعاً للحل طالما أن حساباته الأساسية إقليمية وترتبط بالمشروعالإيراني، وإن كان يمثل بيئة أهلية لبنانية كبرى. لكنه يُفصح أكثر عما يريدهللنظام اللبناني مستقبلاً، فهو ينتقل إلى مرحلة جديدة حيث ستكون الأشهر المقبلةفترة تهيئة للإمساك بكل مفاصل السلطة، فيخوص معركة الانتخابات دعماً لحليفه التيارالوطني الحر ورئيس الجمهورية ميشال عون في محاولة لفرض أمر واقع جديد متسلحاً بقوتهوبالدعم الإيراني اللامتناهي.

يخوض “حزب الله” معركة الانتخابات وهو يدرك أن التيارالعوني يعاني من حالة ضمور، في البيئة المسيحية وأيضاً على المستوى اللبنانيالعام. وهذا التيار الذي حصل على أكبر كتلة نيابية ومقاعد مسيحية في البرلمان عام2018، لن يتمكن هذه السنة من الحصول على النتائج نفسها، فهو ليس بالقوة ذاتها وباتخصومه يشكلون قوة كبيرة في الساحة المسيحية، بمن فيهم المستقلون أو أسماء كان تحالفمعها التيار في 2018 لكنها اليوم تواجهه، من كسروان الى البقاع وزحلة والشمال،إضافة الى أن بنيته الداخلية تخلخلت وفقد مواقع كثيرة على أكثر من جبهة ومحوروساحة.

إذا كان الهدف الأساسي في المرحلة الحالية يبقى بالنسبة إلى “حزبالله” الحصول على الاكثرية، وهو ما كان أعلنه أمينه العام السيد حسن نصرالله،خلال لقائه الماكينات الانتخابية أخيراً، إلا أنه يصطدم بالضعف الذي يعانيه التيارالعوني، لذا يرسخ مواقع نفوذه، لدعم التيار وحلفائه، بكل ما أتيح من قوة للتحكم بكلالاستحقاقات، واستخدام أكثريته عند الحاجة، فهو يعرف أنه أذا لم يحصل على أكثريةفيها وزن مسيحي وتمثيل كبير لن يتمكن من تغيير الوقائع الراهنة ولا القدرة على نسفالصيغة نهائياً. فطموح الحزب أن يأتي برئيس للجمهورية، لكنه لن يتمكن من ذلك حتىبأكثرية مريحة ما لم تكن محصنة مسيحياً. وأكثر ما يستطيع فعله في ظل التوازنالطائفي اللبناني أن يرجح اسماً لا بد من ادراجه ضمن تسوية برعاية إقليمية، وللتمكنمن ذلك يمكن تعطيل المؤسسات وتركها عرضة للفراغ كما حدث بين 2014 و2016 إلى أن تمانتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية بتسوية مع المكوَن السني الذي كان الأقوى فيهسعد الحريري.

تختلف انتخابات اليوم عن نسخة 2018، فبقدر القوة التي أضيفت الى”حزب الله” وهيمنته، إلا أنه في المقابل بدا الضمور واضحاً في قوة#التيار الوطني الحر. كذلك يغيب المكوّن السني الأقوى الذي كان يتزعمه سعد الحريريالمقاطع للانتخابات والعمل السياسي. لذا سيكون الشغل على البيئة السنية لنيل مقاعدأكثر، وتجييرها للتيار العوني. لكن العونيين خسروا في البيئات الطائفية الاخرى،على الرغم من أن الحزب يحاول التمدد فيها. ويمكن القول أن التيار العوني كان وصلالى ذروة قوته في 2016 عند انتخاب ميشال عون رئيساً بقوة ودعم “حزبالله” بعد سنتين من الفراغ الرئاسي، وقطف ثمار هذه القوة في 2018، ثم بدأالتراجع بعدها والضمور من موقع الرئاسة أولاً ثم في البيئة الداخلية للتيار وصولاًإلى الساحة المسيحية. ولم يعد المسيحيون اليوم والقسم الأكبر من اللبنانيين يثقونبالتيار العوني، ليس بسبب تحالفه فقط مع “حزب الله” وتغطيته له، إنما فيالسياسات التي قدمها وممارساته التي أبعدت حتى أقرب الحلفاء. ولم يحقق التيار معرئيس الجمهورية أي بند من الشعارات التي رفعها، لا بل انزلق البلد الى الجحيم.

معركة دعم الحزب للتيار العوني مصيرية. ضغط “حزب الله” علىحركة أمل للتحالف انتخابياً مع التيار ودعمه، وجمع المتناقضات في ساحة الممانعةمسيحياً، وذلل الخلافات حول تشكيل لوائح مشتركة في عدد من المناطق، وهو يخوضالمواجهة دعماً للعونيين في كل الدوائر التي له تأثير فيها وحتى نيابة عن التيارلإيصال مرشحيه ونيل الأكثرية. وايضاً في البيئات الطائفية الاخرى، من جبل لبنانوالشوف وبعبدا الى بعلبك – الهرمل، وصولاً الى الشمال، وإن كان الصوت السني هناكمتأرجحاً بسبب غياب المرجعية السنية التي كان يمثلها الحريري. لكن السؤال يبقى، هليتمكن الحزب من نيل الأكثرية في ظل الضمور العوني؟ ثم تكريس نفوذ قوى الممانعة على كل مفاصل الدولة. سيتبينذلك بعد انجاز الانتخابات النيابية، وإذا لم يتحقق ذلك لتحالفالحزب والعونيين، فإن البلد سيدخل بمرحلة من الفراغ يعود خلالها “حزبالله” الى رفع سقف شعاراته المتعلقة بالمنطقة. وإلى أن يتم الاتفاق على اسملرئاسة الحكومة سيعيش البلد مخاضاً حتى انتخابات رئاسة الجمهورية، والمتوقع أنتتكرر مرحلة 2014 عندما بقيت حكومة تمام سلام تصرف أعمال البلد لمدة سنتين، انمااليوم يحدث ذلك ولبنان في الجحيم.