فارس خشان - الحرة

بوتين في دور.. شمشون – فارس خشان – الحرة

كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يظن أنّ أوكرانيا ستسقط بين يديه كما سبق أن سقطت سوريا، ولكنّ آماله تحوّلت الى أوهام. لم يكن بحاجة الى تسمية غزو جارته بالحرب. كان مقتنعاً أنّها مجرّد “عملية عسكرية خاصة” من شأنها أن تُسقط، بسرعة، كييف وحكومتها بين يديه، فيُقيم فيها سلطة موالية له يأخذ من خلالها كلّ ما إليه يطمح، روسياً وأوروبياً ودولياً.

خاب ظنّ بوتين، فأوكرانيا كانت قد حضّرت جيشها وشعبها لمواجهة أيّ اجتياح روسي، لأنّها منذ العام 2014 اعتبرت نفسها في حالة حرب مع “سيّد الكرملين”، الذي كان قد أرسل قواته العسكرية لدعم انفصاليي إقليم دونباس، بالتزامن مع سلخ شبه جزيرة القرم وضمّها إلى “إمبراطوريته”.




لم تسقط كييف، بل على أبوابها سقطت هيبة الجيش الروسي الذي لملم خيباته وتراجع الى شرق أوكرانيا لعلّه، حتى حلول الاحتفال بذكرى دحر النازية في الثامن من مايو المقبل، يكون قد أحكم، بما يملك من قوّة تدميرية، قبضته على كامل إقليم “دونباس” وحوّل بحر آزوف الى بحيرة روسية آمنة.

حلفاء أوكرانيا لم يخيّبوا آمالها، فهي بعدما أثبتت جهوزيتها وقدرتها وإصرارها على مقاومة الإجتياح الروسي، هبّوا لمساعدتها حتى المستوى الذي يُبقيهم، في نظر القوانين الدولية، بمنأى عن أن يتحوّلوا إلى مشاركين في الحرب.

أربعون دولة بقيادة “حلف شمال الأطلسي” المستند الى إمكانات الولايات المتحدة الأميركية الهائلة، وقفت الى جانب أوكرانيا، وقرّرت في اجتماعهم الأخير الذي عقدته في قاعدة “رامشتاين” العسكرية الأميركية في ألمانيا رفع مستوى المساعدات العسكرية لكييف. هذه المرّة لن تكتفي هذه الدول بالأسلحة الدفاعية، بل، بفعل طبيعة الحرب في إقليم دونباس المنسبط، قرّرت تزويد الجيش الأوكراني بالأسلحة الهجومية.

وكان لافتاً للانتباه أن أدبيات وزيري الخارجية والدفاع الأميركيين أنتوني بلينكن ولويد أوستن اللذين توجّها الى كييف، للمرّة الأولى منذ بدء الغزو الروسي، دخلت في حقبة طموح للغاية، بحيث أشارت الى قدرة أوكرانيا على الخروج منتصرة من الحرب الروسية عليها، إذا ما استمرّ دعمها.

وقد كان وزير الدفاع الأميركي واضحاً في تحديد أهداف بلاده في أوكرانيا، إذ أعلن من كييف “نحن نريد أن نرى روسيا تضعف لدرجة لن تستطيع بعدها القيام بأشياء مماثلة لغزو أوكرانيا”.

وإذا كانت واشنطن قد فقدت، في السنوات السابقة مصداقيتها العسكرية، بسبب قرارات اتّخذتها في أفغانستان والشرق الأوسط، فإنّ الحرب الروسية على أوكرانيا أعادتها الى أعلى درجات الصدقية، ليس لأنّ المعلومات التي كانت توزّعها عن الاستعدادات العسكرية الروسية، وسط نفي الكرملين وتشكيك الحلفاء، أثبتت دقّتها فحسب، بل لأنّها لم تتراجع عن وعد واحد من وعودها الكثيرة التي تقطعها للرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي، أيضاً.

أمام هذه المعطيات لم يكن أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلّا الهجوم الى الأمام، فبعدما تحدّث وزير خارجيته سيرغي لافروف عن “حرب عالمية ثالثة”، في حال استمرّ الدعم الغربي لأوكرانيا، وقف بوتين في مجلس الدوما، مهدّداً “كلّ طرف خارجي يمكن أن يحاول أن يتدخّل في الأحداث الأوكرانية وإظهار تهديدات غير مقبولة لروسيا” بـ”ضرباتنا التي ستكون صاعقة (..) فنحن لن نتباهى بأحدث أسلحتنا بل سنستخدمها إذا اضطررنا”.

كلمات بوتين لم تكن بحاجة الى “مترجم محلّف” فلقد أدرك الجميع فوراً أنّه يهدّد باستعمال ترسانته النووية التي سبق أن أمر باستنفارها.

تهديدات بوتين، وإن أثارت الحذر إلّا أنّها لم تُثر الهلع، فكلمة السر التي مرّرتها أكثر من دولة معنية إثر هذه التهديدات أنّ “القيصر” قد يملك القدرة على المبادرة ولكنّ الكلمة الأخيرة ليست له، وإذا كان يريد فعلاً تجنّب الأسوأ فليس عليه سوى الانصياع لمبادئ القانون الدولي وسحب قواته من أوكرانيا وإنهاء الحرب والمجازر التي افتعلها، من دون أيّ مسوّغ موضوعي.

ووسط تساؤلات كثيرة عمّا إذا كان يمكن أن يتحوّل بوتين الى شمشون الذي دمّر الهيكل “عليّ وعلى أعدائي”، أو أنّه في إطار التلاعب بالأعصاب يزعم ذلك، وضع ملف الغاز الذي تزوّده بلاده دول الإتّحاد الأوروبي به على نار حامية، بهدف زعزعة الوحدة التي أظهرها الإتحاد الأوروبي ضدّه، منذ الرابع والعشرين من فبراير الماضي.

كانت أوكرانيا ومؤيدوها يحثّون دول هذا الاتحاد على وقف استيراد الغاز من روسيا، إذ إنّها باستمرارها في مسارها توفّر لحرب بوتين على أوكرانيا أكثر من 750 مليون أورو يومياً، تضاف الى مائة مليون أورو تدفعها لقاء النفط والفحم الحجري.

ولكنّ الإتحاد الأوروبي، وفي ظلّ اعتماد عدد من دوله تتقدّمها ألمانيا، بشكل كبير على الغاز الروسي امتنع عن ذلك.

وطبيعي أن يُدرك بوتين نقطة الضعف الأوروبية هذه، فيرفع التحدّي بوجه الأوروبيين، إذ إنّه بعدما طالب بتسديد ثمن الغاز بالروبل، وجوبه بالرفض، عمد إلى قطع إمدادات الغاز عن دولتين استحقت مدفوعاتهما، وهما: بولندا وبلغاريا.

الأدبيات الأوروبية التي تولّت صياغتها رئيسة المفوّضية الأوروبية أورسلا فون دير لاين، تمحورت حول صمود دول الإتحاد الأوروبي ووحدتها وتعاضدها وتعاونها، والإصرار على عدم تسديد بدلات الغاز بالروبل.

خصوم بوتين اعتبروا أنّه أطلق النار على قدميه، لأنّه أقدم على ما لم يكن الإتحاد الأوروبي يجرؤ على الإقدام عليه.

مؤيّدوه يستهزئون بوصف خطوة بوتين بأنّها خطأ استراتيجي، فهو وضع الدول الأوروبية أمام التحدّي الكبير، على اعتبار أنّ مصادر الغاز البديلة سوف تكبّدها ثمناً يفوق خمسة أضعاف ما تدفعه مقابل الغاز الروسي، وتالياً فإنّ الحكومات القائمة سوف تواجه صعوبات شعبية وسياسية قد تؤدّي ليس إلى إضعافها فحسب، بل الى الإطاحة بها أيضاً.

المحايدون يعتبرون أنّ بوتين وضع الإتحاد الأوروبي ونفسه أمام الحقيقة الحاسمة.

بالنسبة للاتحاد الأوروبي هو في الفترة التي تفصله عن حلول موسم الشتاء الأكثر استهلاكاً للغاز، وتالياً فإنّ أمامه، في حال قرّر فعلاً التخلّص من “ابتزاز بوتين”، مساحة لتكثيف تواصله مع الدول المصدّرة للغاز، ومع الشركات المنتجة للطاقة البديلة، ولإقناع الرأي العام بوجوب التقشّف في استهلاك الطاقة، ولانتهاج سياسة تمويلية تعاضدية كتلك التي اعتمدها في مرحلة مواجهة جائحة كوفيد- 19.

أمّا بالنسبة لبوتين، فإنّه، في حال خسر رهانه على “تركيع أوروبا”، فهو سيرى غازه الذي كان يصدّره إليها، في وضعية الكساد، أقلّه لفترة خمس سنوات مقبلة، لأنّ استبدال الصين بأوروبا لن يكون بين ليلة وضحاها، والأسعار التي سوف تفرضها الصين عليه لن تكون بمستوى تلك التي تدفعها أوروبا له.

إنّ استراتيجية بوتين للخروج منتصراً من حربه على أوكرانيا باتت تقوم على رهانات خطرة قد تودي بالبشرية الى كارثة إن هو لم يتخلّ عن القاعدة التي يريد فرضها على الجميع: سلّم تسلم!