بين صهاريج إيران وقوارب الموت: تثبيت استعصاء لبنان

صبحي حديدي – القدس العربي

زائر الموقع الرسمي للانتخابات اللبنانية، التابع لوزارة الداخلية والبلديات، سوف يعثر على الكثير من التفاصيل، سواء تلك التي تخصّ الانتخابات النيابية أم البلدية؛ وفي وسعه أن يبحر نحو «زوايا» شتى يوزعها الموقع على الدوائر الانتخابية، نصوص قانونية، المرشحين، الناخبين، موظفي الاقتراع، المراقبين، الإعلام، هيئة الإشراف، وصولاً إلى النتائج السابقة




وفي زاوية النصوص القانونية، مثلاً، سوف يجد الزائر الدستور وقانون الانتخاب ومراسيم وتعاميم والمجلس الدستوري؛ وفي زاوية الإعلام ثمة موادّ عن التوعية الانتخابية، وقواعد تغطية الحملات الانتخابية، وتصاريح المشاركة في تغطية الاقتراع والفرز…

لكنّ الزائر ذاته لن يعثر على أية إشارة إلى تقرير «المركز اللبناني للدراسات»، الذي يقول إنّ 55 نائباً لبنانياً لم يقترحوا أيّ قانون بين أعوام 2009 و2016، وأنّ واحداً من كلّ عشرة نوّاب لا يؤمن بأنّ الفقر مسألة وطنية ملحة، وأنّ 34% من الشباب اللبناني يستخدمون الصلات السياسية النيابية كوسيلة للعثور على عمل، لأنّ 73% منهم على يقين بأنّ تلك الصلات عامل هامّ في تدبّر وظيفة.

ولن يشفي غليل الباحث عن الحقائق الصلبة المعيارية أيُّ حجم، أعلى أو حتى أدنى، حول المعطيات التي تساعد على تفسير سلسلة من الظواهر الدائمة التي باتت تقترن بكلّ انتخابات نيابية لبنانية؛ على غرار احتمالات نجاح أو إخفاق التيار العوني في اختراق قواعد وليد جنبلاط في الشوف، أو تبادل التوغّل بين «حزب الله» و«القوات اللبنانية» في كسروان، أو صعود/ محاق رجال مثل جميل السيد في بعلبك الهرمل ونساء مثل بولا يعقوبيان على بطاقة أرمنية تحت تصنيف الأقليات…

أمّا إذا توسّم المرء نفسه بعض الأمل فبحث عن أدوار المجتمع المدني في موقع مثل «الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات»، التي اختارت أيضاً تسمية بالمحكية تقول: «عيني عَ الديمقراطية»؛ فلن يجد، هنا كذلك، ما يلبّي حاجات أولى أساسية عابرة للميادين التقليدية، حول حقوق الإنسان وتقييم النظام الانتخابي.

ولن يعدم المرء سجالاً، مشروعاً تماماً، يضع هذا المشهد على خلفية الفرضية الشائعة المستقرّة، بصدد استحالة التغيير، أو على الأقلّ تفكيك منظومة الاستعصاء في قليل أو كثير، من دون كسر النظام الأعلى الذي يحكم البلد منذ الاستقلال: المحاصصات الدينية والطائفية والسياسية، في ركائزها التأسيسية أو في ملاحقها حسب اتفاقية الطائف، أو في تفاهمات ثنائية على غرار مار مخايل 2006 بين «حزب الله» و«الوطني الحر» ومعراب 2016 بين «الوطني الحر» و«القوات اللبنانية».

محزن، في بعض حيثيات هذا السجال، ما يسوقه البعض من أنّ انتفاضة 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2019 لم توقفها، أو حتى تجهضها، سوى إغلاقات كوفيد-19 في آذار (مارس) 2020؛ أو ما يطرحه أمثال الوزير السابق شربل نحاس وحركة «ممفد»؛ من دون التوقف المعمّق حول الظواهر الأخرى السياسية – الاقتصادية الأشدّ صلابة وذات الاقتران المباشر بالدولة اللبنانية ذاتها (مالكة 20 إلى 25% من مساحة لبنان، فضلاً عن الكهرباء والجيش وشركات مثل طيران الشرق الأوسط…)، ومصرف لبنان المركزي، وشبكات البنوك والصيرفة، واقتصادات ميليشياتية من نوع «القرض الحسن»….

أسئلة إشكالية، حتى إذا تنوّعت طبائعها واختلفت هنا وهناك، يمكن أن تكتنف مجموعات وحركات وأحزاب ناشئة مثل «طلعت ريحتكم» و«لبلدي» و«سبعة» و«لي حقي» و«بيروت مدينتي» و«لقاء تشرين»؛ غير أنّ قسطاً غير ضئيل من مُساءلة الفاعلية الشعبية يصعب أن يخرج عن عذابات اللبنانيين في مجاهل الغلاء والندرة والإفقار وانحطاط العملة الوطنية والفساد المعمم وتسوّل صندوق النقد الدولي، أو ديماغوجيات استقبال صهاريج الوقود الإيرانية، أو استذكار ضحايا انفجار مرفأ بيروت في تشييع ضحايا «قارب الموت» على شواطئ طرابلس، أو… المنتجات الوردية الزائفة في التبشير بالانتخابات المقبلة. هنا، وهناك أيضاً، وربما في كلّ شبر من لبنان، تتفاقم عناصر تثبيت الاستعصاء ومواضعات الدولة الفاشلة.