وسام سعادة - القدس العربي

الانتخابات السينيكية: طلب «الفضيلة» من عند «علي اكسبرس» – وسام سعادة – القدس العربي

سمة هذه الانتخابات العامة أنّها تأتي بلا وعود. لا معسولة ولا غير معسولة.

فالمرشحون يكادون لا يَعِدون الناخبين بشيء سوى باستشعار معاناتهم… ومن ثم «الطبطبة» حتى الترع.




لا يعني ذلك أن المرشحين كلهم على نفس الشاكلة، أو من نفس الموقع ولا أن التفضيل بينهم غير ممكن. أبداً. خاصة في بلد يبقى فيه سؤال أساسي هو الوحيد الذي له معنى في هذا الاستحقاق، «مع أو ضد» حزب الله. في الوقت نفسه «يحب» هذا الاستحقاق أن لا يقدّم نفسه كذلك.

الكل يريد تركيب المسائل. عدم اختزالها في هذا الموضوع الوحيد الذي له دلالة مفهومة. تكون النتيجة اختلاط هذا الموضوع الوحيد الذي له دلالة واضحة، بسيل من الكلام يظهر في الوقت نفسه مشتركاً شبه كامل بين المرشحين، وهي أنهم، على اختلاف موقفهم وموقعهم من حزب الله وسلاحه، واختلاف نظرتهم إلى أسباب الانهيار المالي والاقتصادي وشروط الخروج منه، إلا أنهم يخوضون الانتخابات بما يشكل نكوصاُ عن الديماغوجيا.

تعاني هذه الانتخابات من انخفاض معدل الديماغوجيا. بما ان الديماغوجيا الانتخابية تسلتزم من المرشح ان يدمج بين تقنيات التخويف من أخصامه وبين إطلاق الوعود. هذه المرة لم يعد هناك وعود جدية وملموسة كي تطلق. حاضر فقط التخويف والوعيد.

فقد مضى زمن الوعود المعسولة. صرنا إلى زمن المرشح الخالي الوفاض مسبقاً من أي وعد. «انتخبوني، وليس لدي جدياً ما أعدكم به، بإستثناء أني لن أبخل عليكم بجهد السعي ثم السعي وراء شعارات لم أنجح في إقامة صلة سببية جدية بين ترشحي أو وصولي للندوة البرلمانية وبين وضعها كشعارات على سكة تطبيقية فعلية من أي نوع. انما عليكم انتخابي لأني أقل سوءاً من سواي، وسواي يقول بصددي الشيء نفسه، لكنه كذاب وأنا صادق، وهو يقول أني المنافق، فهيهات». شيء من هذا القبيل يرتسم طيفه بهذا الشكل فوق هذه المعركة.

الوعود المبذولة حبيسة الهلامية والركاكة. نُتَفٌ وأراجيز عن المحاسبة والمساءلة والشفافية والحوكمة الرشيدة والإستقامة ومحاسن الأخلاق. تجدها عند مرشحي الحزبيات المتشاركة أو المتنازعة لحكومات الجمهورية الثانية أو عند مرشحي «المجتمع المدني».

الأوائل يربطون بين هذه الكلمات وبين معاركهم للحفاظ على الحيّز، على الحجم والاستمرارية، «على الوجود».

بالتالي الوعد الأساسي الذي يبذلونه لناخبيهم يدخل ضمن هذا الإطار. الحفاظ على الوجود متمثلاً باستمرار الوجود البرلماني لهذه الحزبية، لهذا «البيت»، لهذه الزعامة «الأهل» لحماية أهلها ضمن الطائفة أو المنطقة.

«الثأر» من المنظومة

وفي المقلب الآخر، ستجد مرشحي «المجتمع المدني». يتسمون «قوى الثورة». يتنسبون إلى انتفاضة 17 تشرين الشعبية. يتساجلون فيما بينهم من قضى ساعات أطول في الساحات، كما لو أنهم يفاصلون في المغازي. يتشاركون في التعامل مع 17 تشرين كما لو أنها حدث مستمر. هذا على الرغم من مضي عامين ونصف على انكماش الحركة الشعبية الجماهيرية في الشارع. مع ذلك يتعامل الواحد منهم مع مشعله كما لو أنه ينقل ناراً من أتون ذلك الحدث. يتنادون إلى «الثأر» من المنظومة. يتراشقون التهم فيما بينهم من هو أقرب ومن هو أبعد من هذه «المنظومة». لكن أيضاً الحزبيات المتعايشة حكومياً في مراحل سابقة تدأب على الكلام نفسه. التيار العوني يستلف شعارات التنديد بالمنظومة، لكنه يلحق بها الأحزاب الأخرى، ويخلي منها نفسه، بل يتهم قوى المجتمع المدني بأنها تلعب لعبة المنظومة.

أما بالنسبة للقوات، فالمنظومة هي التيار العوني وحلفاؤه، والقوى المدنية غير الداخل معها في تفاهمات انتخابية هي أيضاً أغطية وأغشية للمنظومة. كل يرى «المنظومة» في سواه وينحي منها نفسه. يبدو الأمر، عن مسافة، كما لو أن «المنظومة هي الآخر».

يطنب المرشح من كل رهط في الحديث والتشهّق عن مدى تأثره، حين اختلاطه بهذه المخلوقات الغرائبية التي تسمّى «عامة الناس». وكيف شعر بأنه هو واحدٌ منها. وأنّهم أهله. وأنّه المُنادى للتحسّس الأشد بوجع الناس. وأنّ الانتخابات مباراة بين من يتحسّس وجع الناس أكثر.

يطعن هذا بمصداقية تحسّس غريمه في المنازلة بهذا الوجع. ويبقى على الهيئة الناخبية التصديق من يتوجّع مع الناس أكثر بين المرشحين. مسابقة في استشعار آلام الرعية. بل تطغى هذه المسابقة التحسّسية على كل ما من شأنه تظهير الإستحقاق بمظهر التزاحم بين خيارات متباينة لتخفيض هذا الوجع. لتحقيق المنفعة. دلالة المنفعة الملموسة مهمشة لأبلغ حد في الخطاب. تحسّس التعاسة ومقابلتها إما بالصبر وإما بالغضب، أو بكليهما، هو الطاغي. انتخابات مكتئبة وكئيبة. يجري التسابق فيها إلى اظهار «الدافع الرسالي» لخوضها. لكن حين يأتي الأمر لإخبار هؤلاء الناس عن مصلحتهم الفعلية في الاقتراع، وللائحة الفلانية على وجه التحديد، ولمنح الصوت التفضيلي لهذا المرشح دون أترابه أو أعدقائه على نفس اللائحة، عندها تحدث الجفلة. يطير ملموس الكلام. ويفشل الصوت الأكثر جهورية بين المرشحين بأن يخفي تثاؤب صاحبه. كل ما عند المرشح إنباء الناس بأن أحوالهم ستصير أكثر تعاسة إن اقترعوا لسواه. هذا بحد ذاته فاتحة لتعاسة إضافية.

هي انتخابات متثائبة قدر ما هي متشنجة. كذا بالنسبة إلى المرشحين، والناخبين، والعازفين والمقاطعين، والشكاكين في حصول الاستحقاق في موعده من أساسه. انتخابات متثائبين متشجنين في بلد يمشي وهو في سابع نومة، من سنين.

ان تخلو الانتخابات من الوعود حتى الديماغوجية بشكل سافر منها، فهذا يجعلها انتخابات سينيكية. هل ثمة ما هو أقل سينيكية من ان تترشح بمنطق انك لن تسرق إذا انتخبوك؟! سيكون الأكثر ضمانة ان يجري تفادي تجربة انتخابك حينها، وملحمة صمودك الافتراضية أمام اغراء أن تسرق وتعيث فسادا. انتقلنا من كاريكاتورية الوعود بتوظيفات لمئات الآلاف في الانتخابات السابقة التي حصلت قبل عام من الانهيار الكبير، إلى انتخابات بلا أي وعود مفهومة وملموسة في عز الانهيار، إلا الوعد التحسسي المستمر للمعاناة.

ذات مرة عرف اوسكار ويلد شخصية السينيكي بأنه «شخص يعرف ان كل شيء له ثمن وليس هناك شيء له قيمة». لعله الشعار الانتخابي المضمر عند معظم المرشحين.

هي انتخابات سينيكية. لفظ السينيكية كان يشير في العصر القديم إلى مدرسة حكمية أو فلسفية يونانية فرومانية. وصارت له دلالة سلبية بالأحرى في العصر الحديث. اللفظ مشتق من الكلب باليونانية. ولذلك السينيكية هي الكلبية. بالنسبة إلى الحكماء الكلبيين القدماء، الطريق الأسرع إلى الفضيلة ليست أبدا بالتزام أعراف المدينة وانما بنهش هذه الأعراف والعودة إلى السجية، ومحاكاة ما تقوم به الكلاب في أزقة المدينة اياها. فهذا الكلب يمكنه ان يبول في أي مكان وان ينبح و«يفضح» أي كان.

الاختلاف بين السينيكية / الكلبية بالمدلول الفلسفي القديم وبين السينيكية بالمدلول الحديث هو أن الأولى كانت مذهب في ابتغاء الفضيل بالتفلت من الأعراف والمعاهدات الاجتماعية، في حين ان السينيكية في اختزالها الحديث كمصطلح تعني ازدراء الأعراف والتقاليد وفكرة الفضيلة معاً.

السينيكي بالمعنى الحديث يمكن تخيله كشخص يدخل على جنازة يستشعر فيها ان معظم الحاضرين يصطنع حزنا فيباشر هو بالتهكم وازدراء القوم والضحك. بخلاف السينيكي القديم، لا يبحث صاحبنا هنا عن ارجاع الحاضرين للامتثال إلى فضيلة.

والانتخابات اليوم؟ يمكن القول انها سينيكية بالمعنى اللافلسفي للكلمة، المعنى الحديث، الاستسهالي. ازدراء للرياء من دون البحث عن فضيلة. وهكذا تكون انتخابات تزدري نفسها.

لكنها أيضا استحقاق تستحضر فيه الفضيلة. ما يخلط المسائل قليلاً. هناك مرشحون يقدمون أنفسهم كما لو أنهم أبناء الفضيلة. لكن وفي البال، موقع التسوق الإلكتروني «علي اكسبرس». هي انتخابات نشدان الفضيلة «من علي اكسبرس».

لكن كل ذلك على فظاظته، لا يلغي تماما السؤال الوحيد الذي يتسلل إلى الحيز السياسي، في هذه الانتخابات. مع أو ضد دوام ربط لبنان بمحور الممانعة. وربما كان الأجدى عوض الانتخابات، لو نظم بالفعل استفتاء يطرح هذا السؤال بشكل واضح وتعرف الإجابة عليه على مستوى البلد ككل، ثم على مستوى كل منطقة. كان يمكن لذلك ان يقدم مادة للتفاوض الجدي حولها اثر ذلك.

وليست هي الحال اليوم، في ظل هذا المشهد الانتخابي الذي يزيد من سينيكيته انه من حيث المبدأ، يفترض ان يكون هناك انتخابات ان لم يكن هناك طغيان، وفي ظل نظام من الحرية. وليس ان تكون الانتخابات نفسها هي مباراة بين قوى الطغيان وبين قوى الحرية، وكل منها يتوسط الفضيلة الخالية من أي وعد جدي للناس بإحداث نقلة فعلية إيجابية ملموسة في أوضاعهم. فكيف إذا كانت الانتخابات فوق كل ذلك هي مشروع منافسة حرة ومستحيلة بين قوى الطغيان وبين قوى الحرية؟