ما علاقة إعلان إسرائيل استهداف شحنة للحزب في سوريا بالتصعيد الذي حصل أخيراً على الحدود الجنوبية؟

ابراهيم بيرم – النهار

بعيداً من الاضواء المباشرة وعبر رسائل متبادلة موجعة لكنها مشفّرة، لا يعرف دواخلها إلا المعنيون، تواصل تل ابيب مواجهاتها الخاطفة والمحدودة حتى إشعار آخر مع “#حزب الله” ومع جهات اخرى يُتعمد اعطاؤها دورا، وهو لا يتوانى عن الرد والفعل بطريقته ولكن ايضا بمحدودية من لا يرغب في اخذ الامور نحو تصعيد واحتدام مفتوحين.




وآخر تلك الرسائل الاسرائيلية الموجهة الى الحزب، تجلت في اعلان إعلام تل ابيب للمرة الاولى منذ اشهر عدة ان غارة طيرانها الحربي ليل اول من امس على محيط دمشق، استهدفت حصراً شحنة اسلحة كانت وصلت للتو الى مطارالمزّة العسكري جنوب العاصمة السورية، وهي كانت معدّة لتصل الى احد مخازن “حزب الله” لتضاف الى ترسانته الضخمة من الذخائر والاعتدة والصواريخ.

بطبيعة الحال، لم يشكل نبأ الاستهداف الاسرائيلي لما يعتبره الاعلام العبري قوافل ومواكب الاعتدة المرسلة من طهران الى الحزب ومخازنه عبر #سوريا، جديدا أو ينطوي على عنصر مفاجىء للراصد. فالذريعة الاساسية التي لطالما توسّلتها اسرائيل لتبرير غاراتها التي لم تتوقف يوما وباتت ضمن آلية منظمة على اهداف في كل الجغرافيا السورية، هي انها تستهدف قوافل الحزب وشحنات الاسلحة المرسلة اليه العابرة للاراضي السورية.

لكن الربط يظهر بين رواية الاعلام الاسرائيلي لهذا الفعل العسكري وبين اعلان القيادة الاسرائيلية ان قواتها المتمركزة على الحدود مع لبنان نجحت في احباط عملية تهريب شحنة جديدة من الاسلحة والمخدرات كانت في طريقها عبر سكك معلومة من الجنوب اللبناني الى العمق الاسرائيلي، علما ان الاعلان الاسرائيلي عن احباط مثل هذه الشحنات ليس جديدا بل صار عملا روتينيا.

وقبلها بساعات ايضا تواردت الانباء عن وضع متوتر على الحدود اللبنانية – الاسرائيلية في اعقاب اطلاق صاروخ من بقعة جغرافية لبنانية تتبع لمنطقة صور (القليلة – مجدل زون – زبقين) في اتجاه ارض خلاء في الجليل الاعلى المحتل، ما استدعى ردا اسرائيليا فوريا بأكثر من خمسين قذيفة مدفعية سقطت على مقربة من مكان اطلاق الصاروخ وفي ارض خلاء ايضا.

والثابت ان هذا المشهد الامني الساخن يقدم للمراقبين لوحة عن واقع استراتيجي مستجد خارج عن القواعد المألوفة، وقابل لكل الاحتمالات يريد البعض ان يجعله امرا واقعا يفرض نفسه تدريجا على الحدود اللبنانية – الاسرائيلية، لا يمكن إلا التوقف امامه ووضعه في الحسبان من الآن فصاعدا.

ومعلوم انه في اعقاب “ليلة الصاروخ” سارع الاعلام الاسرائيلي الى توجيه اصابع الاتهام الى حركة “حماس” محمّلا اياها المسؤولية عن هذا الصاروخ الذي سقط قريبا من احدى مستوطنات الجليل. ولئن كان ذلك بحدّ ذاته قرينة براءة تعطى من تل ابيب للحزب، إلا انها تأسيس لواقع مستجد تفضل اسرائيل القاء الاضواء عليه، وهو ان “حماس” أخذت لنفسها قواعد ارتكاز في الجنوب في عَود على بدء، وانها تفعّل دور هذه القواعد كلما تأزم الوضع الامني في الداخل الفلسطيني سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة.

واذا كانت اسرائيل تبني على هذا الامر احتمالات، إلا انها تبادر الى الرد باستهداف الحزب دون غيره انطلاقا من فكرة انه ليس بعيدا مما يحصل ويعدّ في الجنوب، وان الامر من ألفه الى يائه يتم تحت رعايته أو بالتنسيق معه. وعليه كانت الرسالة للحزب عبر الغارة الاخيرة على محيط دمشق، هي وفق قراءة الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد الياس فرحات في اتصال مع “النهار” عبارة عن رسالة من رسائل التحذير والتذكير المستمرة من الجانب الاسرائيلي، “لكنها هذه المرة تحمل عنصر تصعيد قياسا على ما سبق من تجارب مماثلة”.

وبناء عليه، يضيف فرحات انه “تصعيد مدروس بعناية ومضبوط بحدود رغبة مضمرة من كلا الطرفين في الحفاظ على قواعد اللعبة المعروفة”، ما يوحي ان الامور لن تلبث ان تعود سيرتها الاولى ويخيم الهدوء مجددا على المنطقة الحدودية.

لكن هذا الاستنتاج، على بداهته، لا يعني وفق ما يقول فرحات ان عملية تبادل الرسائل هذه المرة لم تنطوِ على معطيات ووقائع جديدة ومختلفة، مضيفا: “صحيح ان الطرفين مارسا عبر مجموع ما حصل اخيرا من أحداث عسكرية لعبة “التحرش والتذكير المتبادل”، لكن الجديد ان الجهة الفلسطينية التي تتهمها اسرائيل باللعب في الوقت الضائع، وهي حركة حماس أو سواها، تسعى عبر تعزيز حضورها في معادلة الجنوب الى ارساء قواعد جديدة واضافة عناصر اخرى في هذه المعادلة، ومؤداها ايجاد روابط بين التصعيد في العمق الفلسطيني والرد من الجنوب اللبناني في المقبل من الايام”. لذا فهو يرى مثلاً تماثلاً بين الصاروخ الوحيد الذي أُطلِق اخيرا من غزة والصاروخ الوحيد الذي أُطلِق بعد وقت قصير في اتجاه العمق الفلسطيني المحتل من الجنوب نحو الجليل الاعلى.

ويخلص الى الاستنتاج ان العقل الاستراتيجي الاسرائيلي ما زال يصر على تحميل المسؤولية للحزب قبل سواه، لذا كان البلاغ الاسرائيلي الاخير عن ضبط مهرّبات من لبنان على الحدود، والذي كان لافتا انه لم يحدد المكان والزمان، يعزز احتمال ان يكون الامر “بدعة” لا اساس لها من الصحة، او حدثا محدودا جرى تضخيمه، ليكون مبررا للغارة على محيط دمشق والاعلان عن انها استهدفت شحنة أسلحة للحزب.

كل ذلك يوحي ان ثمة من يرغب في ان تكون الرسائل المعتادة هذه المرة ذات مضمون أغزر واكثر تأثيرا ودويّا، إما تحاشياً لاحتمال، وإما تأسيساً لواقع آخر.