نعيم عون يخرج من بعبدا… وإليها يعود

كلير شكر – نداء الوطن

لم يحتج نعيم عون للكثير من المجهود في إعلان ترشحه للانتخابات النيابية في دائرة بعبدا، لكي يجمع من حوله شمل الرفاق القدامى. هي الوجوه نفسها التي تلتقي منذ سنوات، تسلل الشيب إلى بعض رؤوس أصحابها وأثقلت الهموم هممهم، لكنّ تاريخاً من النضال المشترك في الجامعات والنقابات والساحات، يختصر المسافات.




قد يظنّ البعض أنّ ما يفعله نعيم ورفيق «الدرب» رمزي كنج، هو ضرب جنون أو انتحار، لكنّ عارفيه يدركون أنّ توقيت خروجه من انكفائه بعد مسيرة طويلة من الاعتراض، مبنيّ على حسابات دقيقة، ولو أنّه يعرف جيداً أنه ليس سهلاً عليه أن يخوض أولى معاركه النيابية على أرض بعبدا التي كانت معقل «التيار الوطني حرّ» حين كان أبرز مؤسسيه وحين قاد هو والرفاق القدامى معركة حكمت ديب الفرعية في العام 2003 باللحم الحيّ، وحيث مقر حملته الانتخابية الذي يبعد أمتاراً قليلة عن «القصر» الذي كان يفترض أن يكون أحد أبرز رجالاته، لكن إفراطه في «المبدئية»، وضعه على الضفّة النقيضة… وللمفارقة بات حكمت ديب بدوره في المنطقة «الرمادية» بين الالتزام بمبادئ المؤسس، وبين خيار الاعتراض على أداء رئيس الحزب جبران باسيل.

نعيم عون من الأسماء الأكثر وقعاً في «التيار الوطنيّ الحر» ليس فقط بسبب علاقة القربى بالمؤسس العماد ميشال عون وبدور والده «أبو نعيم»، وإنما لاعتبارات كثيرة، تتصل بشخصه، وبدوره وبتاريخه النضالي مع الشباب.

المشاغب، المقدام، حامل القضية، الحاضر دوماً حتى وإن اعتصم بالصمت في «صومعته»، ولطالما فعلها. حائط مبكى رفاقه حيناً وملجأهم حيناً آخر. مستمع جيد حين يكون متحدثه شاكياً، ويفيض في تعابيره وتوصيفاته وخططه «الإستراتيجية» حين يكثر المسـتمعون من حوله. الجامع بين الطيبة والقساوة. شفافيته فجّة لا يجمّلها أي مجهود للمسايرة.

بين نعيم الشاب وذلك الذي بلغ متوسط العمر، المنظّم الأفكار والمنطق، ثمة سمة لم تتغير فيه: مندفع إلى الأمام خصوصاً إذا كان الرفاق على المحكّ. خاض الكثير من المعارك في سبيل مأسسة التيار بدءاً من العام 1994 حتى العام 2015، والتي انتهت بخروجه من «التيار» بعد مسار اعتراضي تحوّل تدريجياً إلى علنيّ، وقد شكك كُثر في صوابية هذا الأداء، إلى أن أثبتت التطوّرات أنّ اعتراضه كان في محله.

لطالما ابتعد عن الأضواء. من القلّة النادرة التي عملت في الظل ومن دون «لقب». كتوم مع أنّ بمقدوره أن يتحدث لساعات ولكن ثمة دوماً أموراً لا يفصح عنها. فيه الكثير من صفات القائد، وكأنها متوارثة بالجينات… طبعت الأحداث والتطورات التي عايشها عن كثب منذ 13 نيسان 1975، وعانى منها في بعض الأحيان، شخصيته وصقلت تجربته وقدرته على ربط الأحداث خصوصاً إذا بدا أن التاريخ يعيد نفسه.

ستجد بين رفاقه من يشكو من طباعه الحادة وسرعة انفعاله، لكن هذه الانفعالية تختفي في الأوقات الصعبة فتصبح هدوءاً، كما لن تجد من يرميه بتهمة «الوصولية المبتذلة»، ومع ذلك لا يكترث كثيراً للانتقادات. والأكيد أنهم يجمعون على الجانب الايجابي في شخصيته: نظافته، شفافيته، وصلابته.

قد يكون قرار نعيم بالترشح مفاجئاً للبعض، لكن رفاقه في «الخطّ التاريخي» سمعوا منه غداة إقفال صناديق الاقتراع في انتخابات 2018 وصدور نتائجها، قراءة مفصّلة للأحداث وتبعاتها، وتأكيداً بأنّ هذا الفريق سيخوض المعركة في الاستحقاق المقبل. وهذا ما حصل.

أمضى عشرات الساعات في التفاوض مع القوى المعارضة أو التغييرية بحثاً عن صيغ تفاهمية تسمح لهذه المجموعات بالاستفادة من الفرصة التي قدّمها الناس لإحداث التغيير بعد وقوع الانهيار فوق الرؤوس، إلّا أنّ «الأنانيات» والمصالح الفردية طغت وحالت دون ولادة هذا المشروع الاستثنائي. لكنّه قرر أن يكمل الطريق لاقتناعه أنّ البلاد على مفترق خطير، والمبادرة صارت حتمية لا خياراً، متسلّحاً بتجربته ومبادئه وأفكاره التي لا تزال على حالها.