الدراما السورية تستعيد زخمها بعد سنوات من الركود

شارف الموسم الرمضاني على الانتهاء وصار بالإمكان تلمس نقاط النجاح أو الإخفاق التي ميّزت بعض الأعمال السورية. حيث يمكن الإشارة بوضوح إلى العديد من الملامح الخاصة التي تميز بها الموسم الحالي في جانب الأعمال التي حققت حضورا لدى الجمهور.

من ناحية الانتشار، عرضت المسلسلات السورية على ما يزيد عن الأربعين قناة تلفزيونية، بدءا من دول الخليج العربي كالسعودية والإمارات وقطر وعمان مرورا بالعراق والأردن ولبنان وليبيا والجزائر ناهيك عن بعض المنصات الرقمية، مستعيدة بذلك مكانتها في المشهد الدرامي العربي، حيث كانت قبل سنوات الحرب رائدة في المجال وتعرض على خارطة بث واسعة تضمن لها أوسع قدر من التواصل مع الجمهور العربي، وهذا ما سيؤمن لها مزيدا من التوسع في الاستثمار التجاري وبالتالي تحرك دورة الإنتاج صعودا، وهو الأمر الذي سيعني توسعا في كم الإنتاج في المواسم القادمة.




ومن المعالم الهامة في الموسم غياب الأعمال التاريخية تماما بشقيها الديني وغير الديني، وهو الشكل الدرامي الذي تميزت به المسلسلات السورية وقدمت تجارب هامة منه على امتداد سنوات.

الموسم الرمضاني لم يمر دون بعض الجدل الذي كان عنيفا أحيانا بين عدد من مؤلفي الأعمال والمخرجين أو الجهات الإنتاجية

وتم عرض عمل واحد في الفانتازيا وفي مقابل ذلك توجه الجمهور نحو الأعمال الاجتماعية التي لاقت رواجا كبيرا ومبكرا.

وعلى صعيد الشكل الجديد دخلت الدراما السورية لأول مرة سوق الأعمال الاستعراضية من خلال مسلسل “جوقة عزيزة” الذي كان حالة نادرة على مستوى الإخراج، حيث عهدت جهة الإنتاج المسلسل إلى مخرجين، واحد لتصوير الحالة الدرامية وهو تامر إسحاق وساعده في تقديم الاستعراضات عادل سرحان من لبنان وهو المخرج المختص في تقديم الأعمال الاستعراضية.

وفي تزامن نادر قدم عملان يعالجان موضوعا واحدا وهو فساد بعض مسؤولي الدولة في أجهزتها المختلفة، وهما “كسر عضم” و”مع وقف التنفيذ”. وتابع الجمهور السوري العملين باهتمام لكنه انتقد وجودهما معا وهما يعالجان ذات الموضوع ضمن موسم واحد. وما زاد الطين بلة مشاركة أحد الأبطال (فايز قزق) في العملين وبدورين متشابهين، وتحديدا شخصية رجل السلطة الفاسد مما عرضه لانتقادات حادة الأمر الذي دفعه للتصريح بأن الحلقات القادمة ستكشف عن فوارق جوهرية بينهما.

ورغم أنه لم يكن موفقا في موسمه الأول رغم الإمكانات الفنية والمالية الكبيرة، فإن الجزء الثاني من مسلسل “الكندوش” قد حمل تطورا هاما. كان النص في الجزء الأول يعاني من فقر في الأحداث، فكان الإيقاع بطيئا وغير مشوق الأمر الذي دفع بالمخرج سمير حسين لإدخال الكاتب محمد العاص كمتدخل في السيناريو، والذي استطاع أن يحرر النص من رتابته وحقق فيه العديد من نقاط التشويق الدرامي، فكسب المسلسل شرائح واسعة من الجمهور وحقق معدلات متابعة فاقت الجزء الأول بكثير.

حضور وغياب

ظهر الفنان الشهير دريد لحام في مسلسل “على قيد الحب” وهو يقدم دورا اجتماعيا بحتا بعيدا عن الكوميديا التي خبرها، وهي ليست المرة الأولى التي يقدم فيها أدوارا خارج الكوميديا فقدم قبلا مسلسل “سنعود بعد قليل” و”بواب الريح” و”شارع شيكاغو”. ولم يكن دوره هذا العام ذا مساحة كبيرة لكنه كان واضح المعالم ومؤثرا ومتناغما مع بقية الشخصيات في المسلسل وأكثرها الشخصية التي تجسدها الممثلة نادين خوري. كما شاركه أسامة الروماني الحضور الوازن في دور آخر تميز بمساحته الزمنية القصيرة نسبيا لكنه حمل بعدا إنسانيا هاما خاصة في معنى الصداقة.

وعلى التوازي معهما ظهرت جهود فنانين كبار حققوا وجودا هاما، من بينهم عباس النوري الذي قدم شخصية متميزة في “مع وقف التنفيذ” تتمتع بالحيوية والبراغماتية ودرجات عليا من الوصولية وكذلك فايز قزق الذي قدم أدوارا متزنة منها دور رجل السلطة الفاسد وكذلك في شخصية أبوالآس في “الكندوش”، بينما ظهرت سلاف فواخرجي بشكل مختلف عن معظم أدوارها السابقة فقدمت دور امرأة (جنان) تعمل في المجال النيابي لكنها تتقاطع مصلحيا مع دوائر الفساد وتكون منهم.

وقدمت سامية الجزائري في مسلسل “الكندوش” دور أم مصطفى بشكل لافت وإن كان شكلها الجسدي المشوه مبالغا فيه وشكل تنميطا لفكرة الشر. كذلك قدمت صباح الجزائري دورا ملفتا في مسلسل “على قيد الحب” مجسدة دور سيدة تحمي كنتها من غوغاء ابنها ومغامراته الطائشة. وظهرت بدور سيدة تتمتع بالكثير من الهدوء والثقة.

وكعادته يظهر سلوم حداد متميزا بأدوار الرجل القوي الذي يحرك مسارات حياة عدة أشخاص في محيطه بدءا بأسرته ثم أسرة أخيه وحتى المحيطين به، وفي دور حمدي حميها في مسلسل “جوقة عزيزة” قدم شخصية لطيفة ومحببة تميزت في بعض الأحيان بالطرافة.

وقدم فادي صبيح شخصية هاشم، الشهم أحيانا والنزق أحيانا أخرى بتوازن وحقق لها حضورا قويا. أما نسرين فندي فقدمت أحد أهم أدوارها في مسلسل “على قيد الحب” بأداء راق هادئ، وكذلك فعلت رنا كرم حيث قدمت في ذات المسلسل دورا أخرجها من النمطية التي كانت تؤطر بها فظهرت فتاة قوية تقتادها الرعونة. أما جلال شموط ومهيار خضور فظهرا بشكل واثق ومؤثر في الأحداث.

وظهرت الممثلة نادين تحسين بك في دور شمس بمنتهى العفوية والجمال، أما نسرين طافش فاجتهدت بتقديم دور جديد على الدراما السورية جمعت فيه فنون التمثيل والرقص والغناء فأوجدت فيه حالة فنية سيكون لها الأثر في أعمال مماثلة مستقبلا. أما سامر إسماعيل فشد الجمهور لأدائه القوي وتعاطف الجمهور معه في دور ريان، فيما قدم خالد القيش في مسلسل “حارة القبة” جهدا مميزا وشكلا فيه اجتهاد على شخصية الآغا.

وكانت الممثلة نادين خوري كعادتها ثقلا كبيرا في كل أدوراها، بينما لفتت سمر سامي النظر في دورها في مسلسل “على قيد الحب” وشكلت بالتناغم مع هافال حمدي جدلية فكرية درامية عالية المستوى. أما كاريس بشار فرغم قصر دورها نسبيا في مسلسل “كسر عضم” لكنها قدمت شخصيتها بكثير من الشفافية والهدوء والتمكن.

وإلى جانب هؤلاء ظهرت طاقات شابة واعدة في العديد من المشاهد منها: ترف التقي ونانسي خوري وحسن خليل وولاء عزام وحلا رجب وريام كفارنة وخالد شباط وهمام رضا وغيرهم. وعلى نقيض هذا الحضور لبعض الفنانين الشباب، غابت قامات فنية كبيرة عن الموسم الحالي كليا أو جزئيا، حيث غابت منى واصف وبسام كوسا ورشيد عساف وعابد فهد وتيم حسن وقيس الشيخ نجيب وباسل الخياط وديمة قندلفت ومعتصم النهار ومحمود نصر.

جدلية الكاتب والمؤلف

لم يمر الموسم الرمضاني دون بعض الجدل الذي كان عنيفا أحيانا بين عدد من مؤلفي الأعمال والمخرجين أو الجهات الإنتاجية. وظهر جدل متعلق بمسلسل “كسر عضم” وما قدمه الكاتب الشهير فؤاد حميرة الذي اتهم جهة الإنتاج بالاستفادة من مسلسله “حياة مالحة” الذي كان قد كتبه منذ ما يزيد عن العشر سنوات وكان يفترض أن تقدمه الشركة نفسها منذ ذلك الحين، لكن ظروفا حالت دون إتمام ذلك، وسبب هذا الموقف جدلا كبيرا بعد رفض الجهة الإنتاجية للفكرة.

كذلك ظهر جدل أقل حدة بين كاتب مسلسل “على قيد الحب” فادي قوشقجي وبين المخرج باسم السلكا وجهة الإنتاج حيث بين قوشقجي أن هنالك مشاهد تخص شخصية أساسية وهي الفتاة شام التي كاد المسلسل أن يحمل اسمها، قد تم اختصارها كما تم اختصار قصيدة الشارة المغناة “عانقيني” التي ألفتها باسلة الحلو. كما تعرض كاتب مسلسل “جوقة عزيزة” خلدون قتلان لاتهامات من المتابعين بأنه يزور تاريخ مدينة دمشق، الأمر الذي دفعه للقول إنهم لا يريدون معرفة التاريخ الحقيقي.

نجاح وفشل

لم يقدم موسم الدراما السورية الحالي في أعمال البيئة الشامية ما كان يقدم سابقا من حيث الكم، فاقتصر العدد على عدة مسلسلات وكذلك الأمر بالنسبة إلى الكوميديا التي غابت جزئيا فلم تظهر إلا من خلال مسلسل واحد حكومي الإنتاج هو “الفرسان الثلاثة” من بطولة أيمن زيدان عن نص لمحمود الجعفوري وإخراج علي المؤذن. لكن العمل لم يحظ بحملة ترويج مناسبة ولم يتحقق له شرط عرض فعال فبقي بعيدا نسبيا عن المتابعة.

أما مسلسلا “حوازيق” و”بقعة ضوء” فلم يحملا عبء تشكيل خط كوميدي مؤثر، واستمر المسلسل الشهير “بقعة ضوء” في استجرار أفكار قديمة له بطرق تقليدية، والجديد الوحيد فيه هو إسناد مهمة الإخراج لستة مخرجين شباب.

وعلى صعيد الكتابة التلفزيونية ثبّت الموسم الحالي موهبة عدد من الكتاب الذين أوجدوا أعمالا حققت نجاحا لافتا منهم علي وجيه ويامن الحجلي ومحمود الجعفوري وأسامة كوكش ومحمد العاص.

وقدم مسلسل “جوقة عزيزة” الفنانة نورا رحال مغنية تتمتع بحضور خاص مؤدية لبعض الأغنيات الجديدة التي لحنها إياد الريماوي. كما شهد الموسم عودة العديد من الشخصيات للعمل في الدراما السورية بعد فترة انقطاع منهم الكتاب هاني السعدي وفادي قوشقجي وخلدون قتلان والممثلين أسامة الروماني وغزوان الصفدي وعلي إبراهيم الذي غاب عن العمل بسبب عارض صحي.

ما قدمته الدراما السورية في هذا الموسم دفع بالعديد من المعنيين بالأمر والنقاد للتعبير عن آرائهم سواء كانوا من سوريا أو خارجها ومنهم جمال فياض الناقد الفني اللبناني الشهير الذي وصف الموسم السوري بالتحفة فكتب “‏الدراما السورية هذا العام تحفة. ‏الممثلون، الكتّاب، المخرجون السوريون هذا العام أعادوا ألق الدراما إلى حيث تستحق. عباس النوري، سلاف فواخرجي، شكران مرتجى، فادي صبيح، صباح جزائري، فايز قزق، ‏لائحة تطول”.