راجح الخوري - النهار

قارب طرابلس وتايتانيك لبنان! – راجح خوري – النهار

ليست #طرابلس وحدها في هذا البلد المقتول من الفقر والحرمان، مدينة الموت غرقاً والمتكرر في بحر من الأوهام المتعاظمة، التي ترسم وراء ذلك الأفق الأزرق البعيد شمس حياة جديدة تشرق على خير، وفجر يوم جديد يمر على شبع، ورغيف خبز ساخن يقول للعائلة الجائعة صباح الخير.

لا، ليست طرابلس وحدها جائعة، فعلى امتداد الساحل ال#لبناني هناك آباء وأمهات يغمضون العيون وهم يحلمون بالقفز الى شاطئ آخر، شاطئ بلد فيه مسؤولون وفيه دول وأنظمة وفيه حياة لا تشبه الموت، الذي صار قدراً في طرابلس وغيرها، فليست هذه المرة الأولى التي يغرق فيها مركب ويحمل اسم “يا هلا”، ولكأن الموت يفتح ذراعيه لابتلاع عدد من ركابه الذين ركبوا المغامرة بحثاً عن حياة فُضلى، وليس في وسع المسؤولين في هذا البلد التعيس ان يتذكروا لا عدد المراكب التي بدأت الهجرة من ساحل طرابلس قبل أعوام، ولا عدد المرات التي سارع الجيش الى انقاذ ركابها مما قد يبتلعهم عند الأفق!




لكنها المرة الأولى التي يحاول البعض بوضوح إغراق الانتخابات بدماء الضحايا الذين ابتلعهم بحر طرابلس، من خلال محاولة خلق الفوضى وتأجيج الغضب عبر القول ان قارب الجيش الذي كان يحاول انقاذ هؤلاء التعساء هو الذي اصطدم بقاربهم، لا بل اكثر من ذلك انه وجّه اليهم الإتهامات، وهذه كذبة بلقاء وخبيثة لتأجيج الأجواء الموشكة على الإنفجار، بما قد يُغرق الانتخابات من جهة، ومن جهة أخرى بما يمكن ان يساعد على قطع الطريق على قائد الجيش العماد جوزف عون للوصول الى بعبدا، وهو ليس ساعياً الى هذا ولا يهمه سوى ان يبقى الجيش ذلك الجدار الذي يسند سقف الوطن المهدَّد بالإنهيار.

لا داعي للحديث في مسألة قائد الجيش والرئاسة اكثر من هذا، لكن من الضروري الحديث في مسألة الجيش الذي يتعرض للاستهداف منذ أعوام، ليس من العدو الإسرائيلي والتنظيمات الإرهابية فحسب، بل ايضاً من قوى داخلية تعتبر الجيش سياجاً يستطيع حماية الوطن إذا ارادت إستباحته لخدمة اغراضها الخارجية!

لقد نُشر امس خبر يقول ان احد الناجين الذين انقذهم الجيش سارع فور نزوله الى الشاطئ الى القول “ان زورق دورية اصطدم بقاربنا مرتين ما أدى الى تصدعه وغرق مَن كانوا فيه”، وهنا طلبت منه عائلات تم إنقاذها الصمت واقتادته بعيداً، وكان كلامه بداية اتهامات ملغومة حاولت ان تطاول الجيش وقائده وقائد القوات البحرية العقيد هيثم ضناوي، اللذين شرحا عبر فيديوات مصورة امس لمجلس الوزراء ان الزورق المنكوب تعرّض للضرب من جانبه، ما يثبت ان لا علاقة للجيش بغرقه.

ولأن وتيرة الأحداث من الجنوب الى طرابلس تتسارع بما يضاعف المخاوف من خطط تدبّر لخلق فوضى تمنع الانتخابات، حرص قائد الجيش على التنبيه الى ضرورة المحافظة على معنويات الجيش لأنها أساسية جداً ولأنها اهم سلاح بالنسبة الى أي جيش في العالم، موجهاً انتقادات قاسية الى الذين استغلوا مأساة غرق المركب لأهداف سياسية وانتخابية، ولأن الجيش اللبناني دأب منذ أعوام على السهر لإنقاذ الذين يحاولون الهجرة معرضين انفسهم للخطر، لا على تعريضهم للخطر.

يوم الثلثاء في 18 حزيران من العام 2019 قال الرئيس ميشال عون ان لبنان يشبه سفينة تايتانيك، فهو يغرق وأهله لاهون في الرقص، وقياساً بما وصل اليه لبنان الآن لا يكفي تنكيس العلم على مدخل القصر كما يحصل الآن، ولا حتى إعلان مجلس الوزراء عن انشاء “مجلس إنماء الشمال”، في زمن يعلنون فيه إفلاس الدولة.