طرابلس: مئة عام من التهميش والكذب والاستغلال

في تقرير التنمية الاجتماعية الثالث تحت عنوان “عدم إهمال أحد: إدماج الفئات المهمشة في بعض البلدان العربية”، الصادر من منظمة الاسكوا التابعة للأمم المتحدة العام 2019، والذي يتحدث عن الفئات المهمشة في ثلاث دول عربية هي مصر، تونس، ولبنان، اعتمد معدّو التقرير باب التبانة في طرابلس، كحالة للدراسة، باعتبارها الفئة الأكثر تهميشاً في لبنان على مختلف الأصعدة، سواء في التعليم أو السكن أو إيجاد فرص عمل وحتى الطبابة.
خلص التقرير إلى أن التهميش في باب التبانة يعود تاريخه إلى نشوء دولة لبنان. وأن أحد أسباب فشل المبادرات والمشاريع التي قامت بها الأمم المتحدة أو المجتمع المدني هو الأحزاب والأطراف السياسية التي تعرقل محاولات التنمية. وخلص التقرير إلى أن “من شبه المستحيل أن تبصر استراتيجيات التنمية النور في ظل النزاعات بين الزعامات المحلية”.
يروي أفراد من عامة الشعب في المجتمع الطرابلسي أخباراً وقصصاً مفادها أن رفيق الحريري حاول تنمية طرابلس أسوة ببيروت وصيدا، أغلب الظن لأهداف سياسية وانتخابية، لكن القرار السياسي الطرابلسي في ذلك الوقت، كما يروون، كان بيد آل كرامي بدعم من السوريين، ولم يوافق آل كرامي على مشاريع التنمية كي لا يخسروا شعبيتهم لصالح رفيق الحريري.
القصة تجد مرادفاً لها في الشارع الشيعي، حيث يروي البعض أن السوريين أيضاً منعوا نبيه بري من إنشاء مشاريع تنموية في البقاع باعتباره منطقة نفوذ لحزب الله، وتم حصر نفوذ بري في جنوب لبنان.
تقع طرابلس اليوم في قعر الانهيار اللبناني على أصعدته كافة. الجنوبيون، على سبيل المثال، يستندون إلى مشاريع التنمية التي نالوها على مدى عقود من الزمن، والسبب هو مقاومتهم لإسرائيل وسياسة تثبيتهم في أرضهم. شقّت الطرق، بُنيت المستشفيات والمدارس، أنشئت مشاريع المياه والكهرباء وازدهرت زراعة التبغ، واليوم يستر الجنوبيون انهيارهم عبر الكم الهائل من المغتربين المنتشرين في دول العالم وفي إفريقيا خصوصاً. وبينما نظر السياسيون الشيعة إلى التنمية كوسيلة للحصول على أصوات الجنوبيين وتثبيتهم في أرضهم، كانت نظرة السياسيين الطرابلسيين مختلفة لأهل طرابلس وباب التبانة.
يشكل غرق مركب المهاجرين غير الشرعيين الذي انطلق من طرابلس، نتيجة للتهميش والحرمان الذي تعانيه طرابلس. قبل ذلك بيوم واحد، كان المرشح عمر حرفوش يقيم مهرجاناً انتخابياً في طرابلس، وما حدث يعكس تماماً كيف ينظر سياسيو ورجال أعمال طرابلس إلى أهل المدينة وكيف ينظر أهل المدينة إليهم.
قبل المهرجان، في مقابلة على تلفزيون “الجديد”، رداً على سؤال توجهت به مقدمة البرنامج إلى حرفوش: “لماذا يراك أهل المدينة غريباً؟”، قال حرفوش: “لأنني متحضر أما هم….” وضحك.
ربما بسبب قلة خبرته في السياسة لم يُجِد حرفوش اختيار كلماته التي عبّرت بشكل واضح عما يدور في لاوعيه، هو القادم من الأعلى، من اجتماعاته مع أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي وعلاقاته الأوروبية، المتمدن والمنفتح، ينزل إلى مستوى عامة الشعب الطرابلسيين، يختلط بهم، يسمح لهم بلمسه، يتنازل ويرتدي ثيابهم التقليدية ويشرب قهوتهم، يحاول اتقان لغة شارعهم، يتحدث عن الجمهورية الثالثة ولا بأس إن لم يفهموا عليه، فهم بالنسبة إليه رجعيين، غير متعلمين، طموحهم هو الحصول على بضع ليرات يسدون بها رمقهم لقاء أصواتهم الانتخابية.. لذلك لم يتخطّ ما وزعه على الطرابلسيين مبلغ مئة وخمسين ألف ليرة لكل فرد كما تناقل البعض.

في المقابل بدا أن الطرابلسيين فهموا اللعبة جيداً، تعاملوا مع حرفوش على مبدأ أضرب واهرب، خذ كل ما تستطيع الحصول عليه، لم تعد الشعارات قادرة على ولوج صالوناتهم.
مزّق الطرابلسيون صور المرشحين بعد غرق المركب. انتشر في مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لناجٍ من الغرق يرفض العيش في بلد يعيش فيه السياسيون، إما يموتون أو يهاجرون أو يرحل هو. كَفَرَ الطرابلسيون بزعمائهم وسياسييهم، مئة عام من التهميش والكذب والاستغلال تبدو كافية بالنسبة إليهم.







قاسم مرواني – المدن