حزب الله يعيد تجربة 11 أيار ضد المختارة فكيف ستكون ردة فعل الجبل؟

في 11 ايار/مايو عام 2008 وبعد 4 أيام على أحداث 7 أيار/مايو في بيروت، وجّه حزب الله مقاتليه نحو الجبل، في محاولة لتطويع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وتوجيه رسالة قاسية إلى أبناء الجبل الدروز الذين شكّلوا نبض انتفاضة الاستقلال، بعد الدور الذي أدّاه زعيم المختارة في صدور قرارين سياديين عن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة آنذاك حول اعتبار شبكة اتصالات الحزب السلكية غير شرعية وإعتداء على سيادة الدولة والمال العام وإقالة العميد وفيق شقير من منصبه كقائد لجهاز أمن المطار بسبب كاميرات مراقبة لمصلحة الحزب. يومها لم يترك جنبلاط دارته في كليمنصو وينتقل إلى المختارة بل أصرّ على البقاء إلى جانب الرئيس سعد الحريري والرئيس السنيورة، ولم تستطع قوافل مسلحي حزب الله من اجتياز الشويفات ومنطقة نيحا بل توقفت عند تخوم الجبل على الرغم من الامكانات العسكرية الكبيرة لدى الحزب.

اليوم تتكرّر محاولة غزو الجبل ومحاصرة المختارة سياسياً وانتخابياً رغم محاولات التنصّل من هذا الحصار، ويراهن حزب الله على تقزيم كتلة جنبلاط وخطف عدد من المقاعد الدرزية في بيروت والشوف والبقاع الغربي راشيا، مستفيداً من عزوف الرئيس سعد الحريري عن خوض الانتخابات، الأمر الذي يشتّت الصوت السني في دائرة بيروت الثانية وفي إقليم الخروب بدلاً من أن يصبّ للائحة قوية ومستفيداً أيضاً من تعدد لوائح القوى التغييرية بعد انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر، ما يجعل نتيجة الانتخابات غير محسومة بالنسبة إلى مقعد كل من فيصل الصايغ ووائل أبو فاعور ومروان حماده بعدما آل المقعد الدرزي في حاصبيا من أنور الخليل إلى مروان خير الدين الذي سيكون عضواً في كتلة «التنمية والتحرير» برئاسة الرئيس نبيه بري وبموافقة من الأمير طلال أرسلان ووليد جنبلاط.




وإزاء هذه المحاولات كيف ستكون ردة الفعل في الجبل ولاسيما أنه معروف عن الموحدين الدروز دفاعهم عن كرامتهم وأرضهم وعرضهم؟ فهل يستدرج هذا الاستفزاز وفائض القوة لدى حزب الله موجة معاكسة لتوجهات الحزب تتمثّل بالتفاف درزي حول المختارة يرفض إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وهل يتلاقى هذا الالتفاف مع موجة مسيحية سنية في صناديق الاقتراع تخالف توقعات حزب الممانعة وتفاجئه حتى في بيئته الشيعية من خلال الأصوات التي تتمرّد على تحذيراته والتي تنضم إلى لوائح مناهضة للحزب سواء في جبيل أو في بعلبك الهرمل أو في البقاع الغربي وصولاً إلى بيروت الثانية والجنوب الثالثة؟

وكتعبير عن إرادة المختارة في المواجهة، أصرّ وليد جنبلاط على إعادة ترشيح كل من النائبين مروان حماده وأكرم شهيب المعروفين بمواقفهما السيادية ورفضهما المساومة أو المسايرة سواء مع النظام السوري أو مع حزب الله ومن خلفه إيران. وإذا كان مقعد حماده في الشوف في انتخابات 2018 تعرّض للتهديد بسبب توزيع الحزب الاشتراكي أصواته بين حماده من جهة وبين النائب الكاثوليكي نعمة طعمه من جهة أخرى، فإن الاشتراكي يبدو أكثر ارتياحاً إلى وضعه في هذه الانتخابات لأنه في غياب المرشح الكاثوليكي سيتمكّن من توزيع أصواته على مقعدي تيمور وحماده الدرزيين في مواجهة مقعد الوزير السابق وئام وهاب الموعود من قبل حزب الله بمدّه بأصوات تفضيلية من مناصريه في إقليم الخروب سواء أكانوا شيعة أو سنّة، فيما أصوات التيار الوطني الحر بالكاد تكفي لتأمين فوز غسان عطالله أو فريد البستاني.

غير أن التيار العوني يلجأ في إطار معركته ضد الاشتراكي والقوات اللبنانية وباقي الخصوم إلى محاولة التلاعب بأصوات المغتربين اللبنانيين لتيئيسهم وتشتيت أصواتهم من خلال القناصل والملحقين الذين زرعهم رئيس التيار جبران باسيل في وزارة الخارجية على مدى سنوات بحيث باتت مفاتيح لبنان الخارجية بيد التيار مثلما باتت مفاتيح البلد الداخلية بيد حزب الله الذي يحمل السلاح. وهذا الأمر يهدّد بحرمان القوى السيادية من أصوات المغتربين الناقمين على العهد الحالي وتياره وحليفه حزب الله ويطرح الخشية مما سيجري خلال عملية نقل صناديق الاقتراع من الخارج إلى بيروت بدلاً من فرز هذه الأصوات في دول الانتشار تحت مراقبة مندوبي اللوائح منعاً للتلاعب بالصناديق في طريقها جواً إلى العاصمة اللبنانية.
وفي مقابل هذه المحاولات من أحزاب الممانعة، تواظب القوى السيادية وفي طليعتها القوات اللبنانية والحزب الاشتراكي والرئيس السنيورة على المواجهة الديمقراطية شعبياً وإعلامياً وعدم السماح بتغلغل حزب السلاح إلى المناطق التي ما زالت متحررة من الهيمنة والرافضة جر البلد إلى جهنّم. وفي هذا الإطار، تبرز حركة رئيس «اللقاء الديمقراطي» تيمور جنبلاط في منطقة الشوف والإقليم والمواقف التي يطلقها وتعكس فهمه لطبيعة المعركة، فيما الجولات المشتركة التي يقوم بها أحياناً مع نائب رئيس حزب القوات النائب جورج عدوان تأتي تأكيداً على مصالحة الجبل والعلاقة المتينة والمنسجمة التي تربط أعضاء «لائحة الشراكة والإرادة» ولاسيما بعد موقف عدوان الذي توجّه إلى البعض بالقول «لا يظنن أحد أنه قادر على محاصرة فريق من الجبل لأن أي محاولة من هذا النوع هي محاولة محاصرة كل الجبل».

وتؤشر كل هذه الجولات والمواقف إلى أن أهالي الشوف وعاليه لن يسلّموا الجبل لحلفاء من قتل المعلّم كمال جنبلاط، كما تؤشر إلى أن إقليم الخروب لن يسمح بدوره لأن يكون نقطة عبور لمن قتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري مثلما تؤشر إلى أن المصالحة التاريخية التي عقدها البطريرك مار نصرالله بطرس صفير والنائب السابق وليد جنبلاط ما زالت صامدة وتشكّل مدماكاً أساسياً في معركة الحفاظ على هوية لبنان الحر والمتنوّع والتعددي والتي يرفع لواءها البطريرك الحالي مار بشارة بطرس الراعي الذي أطلق قبل أيام نوعاً من الإرشاد البطريركي حذّر فيه من مجيء «غالبية نيابية خلافاً للغالبية الشعبية بسبب سوء اختيار الشعب، فيضطر لاحقاً إلى معارضة نواب انتخبهم في غفلة من الوعي الوطني».

القدس العربي