سي أن أن: فاز ماكرون أم لوبان فقد انتصر اليمين وهو من يملي الأجندة السياسية في فرنسا

نشر موقع شبكة “سي أن أن” مقال رأي لريم سارة علوان، الباحثة القانونية والمعلقة الفرنسية وطالبة الدكتوراة بالقانون المقارن في جامعة تولوز- كابيتول علقت فيه على  ما أسمته انتصار اليمين الفرنسي المتطرف حتى قبل أن نعرف نتائج الجولة الثانية من الإنتخابات المقررة يوم الأحد.

وأشارت فيه إلى أن الرئيس إيمانويل ماكرون غازل اليمين المتطرف، وخسرت فرنسا جراء ذلك.




وذكرت بوعد ماكرون عندما انتخب عام 2017، حيث قال إنه سيفعل كل شيء للتأكد من عدم وجود “أي سبب” يدفع الناس لمنح أصواتهم للمتطرفين. لكن، ولسوء الحظ فشل ماكرون بالوفاء بهذا الوعد والحد من تقدم اليمين المتطرف. ففي أعقاب انتصاره تحول الفضاء السياسي وبشكل كبير لصالح حزب مارين لوبان، التجمع الوطني والذي كان المستفيد الرئيسي. ولم يبق أمامنا سوى عدة أيام لجولة الإعادة لتنافسهما في عام 2017، لكن لوبان تحظى بدعم متأخر بشكل يجعلها قريبة من ماكرون.

 وترى الكاتبة أن إدارة ماكرون غازلت الناخبين بنفس الموضوعات التي أدت إلى صعود اليمين المتطرف ولوبان، بما في ذلك الإسلام والأمن والهجرة.

إدارة ماكرون غازلت الناخبين بنفس الموضوعات التي أدت إلى صعود اليمين المتطرف ولوبان، بما في ذلك الإسلام والأمن والهجرة.

وبالتأكيد فأي شخص ليس محصنا من  السياسات والجاذبية التي تترك أثرها العميق  على من لم يولد أبيض أو على التراب الفرنسي.

وسواء احتفظ ماكرون بكرسي الرئاسة أم لا، فإن القبول الزاحف للأسس التي غذت  صعود لوبان ستكون عميقة. وخلال الثلاثين عاما الماضية كان التركيز تحديدا، على مسلمي فرنسا مترافقا مع زيادة مطردة لنشر الخوف من أجل الحصول على الأصوات. فمع موجة العمليات الإرهابية في فرنسا منتصف التسعينات من القرن الماضي والتي أثارت الراي العام، انشغلت سلطات الدولة بعملية خلق إطار للنظر في الممارسات الإسلامية والمنظمات عبر ما أطلق عليه “الإسلام الفرنسي”. إلا أنه السنوات العشر الماضية، فقد توسع التهديد من الحفاظ على السلامة العامة ليشمل المسلمين باعتبارهم خطرا وجوديا على الهوية الثقافية أو ما أطلق عليه “فرنسا التقليدية”. وقام الساسة الذين رأوا فرصة لاستغلال موجة السخط هذه باتخاذ خطوات لتحويل مفهوم اللائكية أو العلمانية الذي كان ليبراليا كأداة، لمنع النقاب والبوركيني من الأماكن العامة والشواطئ.

وفي الوقت الذي نظر فيه لماكرون كبديل عن اليمين المتطرف إلا أنه حاول اللعب على الحبلين، حيث قدم وجها ليبراليا للمراقبين الدوليين وتبنى بهدوء نفس السياسة التي دعا إليها اليمين الفرنسي.

وعين ماكرون جيرار دارمانين وزيرا للداخلية لكي يقود المهمة، حيث أصبح من أقوى وزراء الداخلية في فرنسا. وعمل دارمانين على تقسيم الناخب الفرنسي بدعمه الحماسي للشرطة الفرنسية، وحصل على دعم من نقابات الشرطة المؤثرة، ونفر في الوقت نفسه اليسار. وأكثر من هذا اتهم نقاد دارمانين باستغلال مشاعر الكراهية ضد المسلمين عبر الخطاب الناري والأفعال. وفي تلخيص حي عن انحراف إدارة ماكرون نحو اليمين، اتهم دارمانين في العام الماضي وأثناء نقاش حول قانون لتقوية احترام مبادئ الجمهورية، لوبان بأنها “متساهلة مع الإسلام”. وكان قانون معاداة الانفصالية جزءا من استراتيجية ماكرون للحملة الرئاسية عام 2022 وسرقة جزء من الزخم اليميني. وبناء على القانون طلب من المنظمات غير الربحية توقيع “عقد للاتزام بالجمهورية”، أي احترام الحرية والمساواة والأخوة والكرامة الإنسانية والنظام العام. ويمكن هذا السلطات العامة وبطريقة تعسفية حرمان أو المطالبة بتعويض او سحب الدعم لأي جمعية ترى أنها لا تحترم القيم المذكورة. وتخشى بعض المنظمات أن ما تقوم به من عمل مثل تقديم  الدعم للأشخاص المقيمين بطريقة غير شرعية أو حماية ناشطي حقوق الإنسان أو شجب السياسات الحكومية التمييزية ربما اعتبر خرقا للنظام العام، وخسارة تمويلها نتيجة لذلك.

وتكهن المحللون ان ماكرون الذي كان يواجه حقلا متشظيا في معسكر اليسار كان يحاول إغراء بعض من الناخبين الميالين لليمين وسرقتهم من لوبان والتحرك لإرضائهم ببعض السياسات التي يركز عليها اليمين المتطرف. وبالتأكيد، فهذا ما قاله دارمانين في شباط/فبراير 2022  حيث تمنى “لو صوت ناخبو اليمين المتطرف لنا” أي حزب ماكرون.

وفي نفس الوقت قدمت لوبان نسختها من تغيير الصورة، حيث حذفت العناصر المتشددة في برنامجها، في وقت رفضت فيه التخلي عن الأيديولوجية التي يقوم عليها الحزب والتي بدأها قبل 30 عاما. وتشمل وعودها الانتخابية تعديل الدستور لتحديد تدفق المهاجرين ومنع جمع شمل العائلات واللاجئين التي ترى أنهم يمثلون تهديدا على هوية فرنسا. ويشمل بيان لوبان الانتخابي على إجراءات تفرق في مجالات العمل والمنافع بين “المواطن المولود في فرنسا” و “الآخرين”. وأعلنت لوبان عن نيتها توسيع منع الحجاب في الأماكن العامة من أجل حماية اللائكية وقانون الفصل بين الكنيسة والدولة الذي يعود إلى عام 1905.
وخلال القرن العشرين فهمت اللائكية بأنها فرض الحياد على الدولة وعمال الخدمة المدنية من جهة وضمان الحرية الدينية وحرية الضمير على المواطنين العاديين من جهة أخرى. إلا أن مفهوم اللائكية تغير منذ التسعينات من القرن الماضي وبات يفسر على أنه الحد من التعبيرات الدينية، وبالتحديد الإسلامية. وطبق هذا بشكل أساسي من خلال منع ارتداء الرموز الدينية وبخاصة الحجاب. وغذى ماكرون من غير قصد هذه السردية، فقد سأل مرة امرأة مسلمة إن كانت أكرهت على ارتداء الحجاب وأثنى عليها عندما كانت الإجابة أنها ارتدته باختيارها.

ورغم الحيرة من تصريحه، إلا أنه لم يكن ليطرح السؤال نفسه على راهبة كاثوليكية أو يهودي يرتدي يارمولك أو سيخي يرتدي العمامة، ومن الواضح أن الرئيس يحاول التراجع عن بعض أفعاله والتظاهر بأن قانون الانفصالية لم يحدث أبدا. ومرة أخرى تم استخدام المسلمين وبخاصة المرأة المسلمة كأداة لهدف انتخابي. ومهما كانت نتيجة الانتخابات فاليمين قد انتصر، ويقوم أفراده بتشكيل أجندة النقاش السياسي الفرنسية. ولو لم تفز لوبان هذه المرة، فقد تفوز هي أو أحد آخر من اليمين في المرة المقبلة. وبالنسبة للمسلمين الفرنسيين فقد تعبوا من استخدامهم كبيدق في هذه اللعبة السياسية. ويشكل المسلمون نسبة 8.8% من سكان فرنسا إلا أن معظم التغطية الإعلامية والنقاش السياسي يدور حولهم، في وقت يتم فيه تجاهل أصواتهم.

بالنسبة للمسلمين الفرنسيين فقد تعبوا من استخدامهم كبيدق في هذه اللعبة السياسية. وهم يشكلون 8.8% من السكان إلا أن معظم التغطية الإعلامية والنقاش يدور حولهم

 وتقول الكاتبة إن الإسلام والهجرة هي موضوعات يحب اليمين المتطرف استخدامها في اجندته، وللأسف وقع ماكرون ومن قبله بالمصيدة. ولو فاز ماكرون فعليه إصلاح الضرر الذي تسبب به على من تأثروا بسياساته. وعليه التوقف وإدارته عن معاملة المواطنين المسلمين بأنهم سكان يجب تدجينهم.

 وترى أن هناك حاجة للتفاعل والمشاركة البناءة مع المسلمين ووضع برامج لمكافحة التمييز والتوقف عن استخدام اللائكية كسلاح للهوية السياسية. وتؤكد أن المسلمين ليسوا تهديدا، كما يحلو لبعض المعلقين والساسة تصويرهم. ويجب على فرنسا السماح للمسلمين ممارسة مواطنتهم الكاملة وبناء على شروطهم والتعبير عن هويتهم بشكل صريح ومفتوح وبطريقة منسجمة مع دينهم ولكنها فرنسية بدون غموض. وأيا كان الفائز يوم الأحد، ماكرون أو لوبان فلا شك أن الفضاء السياسي يتحرك تحت أقدام الناخب الفرنسي.