هل بدأت “العين تعبر على” “حزب الله”؟

سركيس نعوم – النهار

تؤكّد المعلومات الواردة من باريس أنّ فرنسا الرئيس إيمانويل ماكرون لا تزال على اهتمامها الكبير بلبنان، ولا تزال تسعى بدعم من الولايات المتحدة إلى التوصُّل مع الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة إلى تهيئة المناخ والظروف لجمع الأطراف اللبنانيّين المتخاصمين بل المُتعادين، ورعاية حوار جدّي وعميق لأوّل مرّة منذ مفاوضات الطائف عام 1989 يُنتج تفاهماً عميقاً وشاملاً يتناول الصيغة والدستور والدولة والكيان والتعدُّد الطائفي والمذهبي والارتباط بالخارجَيْن الإقليمي والدولي. كما يُحدِّد آلية تطبيقه والجهات غير اللبنانيّة التي يُفترض أن تواكب التطبيق وترعاه، لكن من دون أن تكون لها طموحات أو أطماع في لبنان كما كانت الحال مع سوريا الأسد يوم نفّذت طلب المجتمعَين العربي والدولي مساعدة أشقائهم اللبنانيّين لتنفيذ الاتفاق الذي تمّ التوصّل إليه في حينه. وتؤكّد أيضاً أو بالأحرى تُرجِّح أن تكون لإيران يدٌ في لبنان طويلة وعميقة بواسطة حلفائها داخله. طبعاً ليست هذه المعلومات جديدة، رغم أنّ “الموقف هذا النهار” كان أوّل من بادر إلى إطلاع قُرائه عليها على مدى يومين الأسبوع الماضي. ذلك أنّ وسائل الإعلام الأخرى في البلاد تحدّثت عنه أيضاً لكنّها بقيت في العموميّات وحاولت ربطه بالعلاقة الجيّدة بين باريس والدول العربيّة في الخليج التي ساهمت في عودة سفرائها إلى بيروت، وفي إبدائها الاستعداد لمساعدة اللبنانيّين وإن المحدودة لمواجهة مصائبهم الحياتيّة المُتعاظمة. وأوحت بطريقة ما أنّ النتيجة النهائيّة للمسعى الفرنسي لا بدّ أن تكون في مصلحة حلفاء عرب الخليج من اللبنانيّين مع تجاهل تام لإيران وحليفها اللبناني القوي “#حزب الله” قائد “الثنائيّة الشيعيّة”. طبعاً ليس القصد من هذا الكلام الانحياز إلى فئة لبنانيّة ضدّ فئات لبنانيّة أخرى، بل هو دعوة الجميع إلى التعقُّل والتبصُّر والتعاطي مع كلّ مبادرة دوليّة – عربيّة – إقليميّة بعقل وموضوعيّة، إذ أنّ الوطن دمّرته الأحلام غير الواقعيّة لطوائفه ومذاهبه وأحزابه أي لشعوبه والطموحات الشخصيّة لزعمائها وقادتها إلى المناصب وإن في دولة فاشلة ومُدمّرة صارت “كراسيها الرئاسيّة” مُكسّرة بحيث تحوّلت “خوازيق” مع الاعتذار من القرّاء عن هذا التعبير، لكنّها رغم ذلك لا تزال تُغري الطامحين إلى “التعريم” عليها ولو على حساب الناس وحياتهم.




طبعاً لا بُدّ من التمهّل قليلاً في التوقّع من فرنسا لأنّ رئيسها ماكرون الذي تابع نهج أسلافه في الاهتمام بلبنان، وإن فاقهم ربّما في حماسه لمساعدته بعدما رأى انفجار المرفأ أو تفجيره في آب 2020، وبعدما لمس عدم اهتمام “أمرائه” إلّا بمواقفهم ومصالحهم قبل اهتمامهم بمواقع طوائفهم والمذاهب رغم ادّعاء كلٍّ منهم أنّه يعمل لمصلحتها. ذلك أنّ هذا الرئيس يخوض الأحد المقبل انتخاب تجديد الولاية الرئاسيّة. وهو قد يخسرها وقد يربحها، علماً أنّ ترجيحات فوزه ليست قليلة ولكن بفارق غير كبير. طبعاً يقول مُناصرو منافسته مارين لوبن على الوصول إلى قصر الإليزيه أنّ اهتمامها بلبنان كبيرٌ أيضاً. لكنّه قطعاً لن يكون كاهتمام ماكرون، فضلاً عن أنّها ستكون مضطرّة إلى معالجة ملفّاتٍ كثيرة داخليّة وأوروبيّة وغربيّة وعالميّة في مطلع رئاستها، بحيث لا يعود لديها وقتٌ للبنان ولا سيّما في الحال الدولية المُعقّدة جدّاً جرّاء حرب روسيا على أوكرانيا منذ 24 شباط الماضي، والحرب العالميّة الثالثة لكن غير العسكريّة التي بادر الغرب الأميركي والأوروبي والآسيوي إلى شنّها على روسيا ردّاً على حربها المذكورة.

في أيّ حال بدا “حزب الله” منذ أشهر ولا سيّما بعدما دخل لبنان المعارك الانتخابيّة التحضيريّة متُضايقاً بل مُنزعجاً جدّاً من اتّهام غالبيّة الأطراف داخل ثلاث شعوب لبنانيّة المواجهة له ولشعبه بالسيطرة على مُقدّرات البلاد والعباد، وبأنّه صاحب الكلمة الأقوى بل النافذة فيها. هذا أمرٌ يقول أصدقاء له ومُوالون له لكن موضوعيّين أنّه صحيح إلى حدٍّ كبير. ويقولون في الوقت نفسه أنّ هذا الاتّهام قد بدأ يتسبَّب بأضرار له، ولذلك فإنّه يواجهه بقوّة مُعتبراً أنّ من يعمل لتقليص دوره “الوطني” إنّما يخدم إسرائيل وأميركا عمداً أو من دون قصد، ولا سيّما بعدما “عبرت العين عليه” كما يُقال. فـ”مجزرة الطيونة” كما سمّاها وحملته لاتّهام فريقٍ لبنانيٍّ معادٍ له بالمسؤوليّة عنها لم تصل إلى أيّ نتيجة إذ دفع ذلك رئيس حزبٍ لبناني غير واسع الانتشار وموالٍ لـ”القوات اللبنانية” إلى رفع دعوى قضائيّة عليه أي على “الحزب” وقيادته. وهذا عملٌ يحصل للمرّة الأولى. وكلّ شيء جيّد أو سيّئ يبدأ عادة بمرّة أولى. ويُعطي الأصدقاء المشار إليهم أعلاه مثلاً على ذلك ما حصل في السابع من أيّار عام 2008 أي عندما استعمل “الحزب” قوّاته في العاصمة ضدّ الحكومة وأنصارها بعدما قرّرت نزع شبكة اتصالاته السلكيّة المزروعة في أرض العاصمة. يومها كان الدافع الأوّل لحركته المسلّحة ليس الاعتراض على القرار وإجبار الحكومة على التخلّي عنه ولا سيّما بعدما كان الحوار يدور قبل الحادثة بينه وبين زعامة سياسيّة كبيرة مؤيّدة للحكومة حول سحب كابلات الاتصال من بيروت إلى خارجها بالتوافق. بل كان الدافع الفعليّ رفض مضمون قرار مجلس الوزراء يومها ولا سيّما لجهة “ملاحقة أصحاب الشبكة ومُستعمليها وسوقهم إلى القضاء”. ربّما لهذا السبب صار “حزب الله” يتحسَّس من أي اتهام له بالإمساك بالبلاد ولا سيّما بعد التطوّرات الخطيرة الجارية في المنطقة كما في العالم. طبعاً لا يعني ذلك أنّه يشعر بالضعف ولكن لزيادة استهدافه من أعداء الداخل والخارج في الإعلام وفي وسائل أخرى. لكنّه لن يستسلم لذلك أبداً الأمر الذي “يُبشّر” بأنّ لبنان صار ساحة معارك طاحنة بين شعوبه والدول الداعمة كلّاً منها.