“مزيد من الألم”.. أزمة لبنان تطال الأدوية المخدرة

أسرار شبارو – الحرة

كابوس جديد يخيم على القطاع الصحي اللبناني، يتمثل هذه المرة بانقطاع الأدوية المخدرة (البنج)، فبعد أزمة فقدان أنواع عدة من أدوية الأمراض المزمنة والمستعصية من السوق اللبناني، ها هي المستشفيات تواجه نقصا في دواء أساسي لا يمكن من دونه إجراء عمليات جراحية.




ولم تستثن الأزمة الاقتصادية التي عصفت بلبنان منذ عام 2019 أيا من القطاعات، بما فيها قطاع الاستشفاء والدواء، وإذا كانت أزمة فقدان الدواء ليست بالجديدة، لكن دخول أدوية البنج على اللائحة هي التي لم يتوقعها اللبنانيون الذين باتوا يخشون ليس فقط المرض بل عدم القدرة على العلاج لأسباب عدة منها مالية مع ارتفاع تكلفة الفاتورة الاستشفائية بصورة خيالية نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار كذلك عدم توفر الأدوية والمستلزمات الطبية بصورة كافية لا بل فقدان بعضها من السوق.

“الأغلبية الساحقة من المستشفيات تواجه انقطاعا شبه كلي لأدوية البنج الموضعي، ونقص في أدوية البنج العمومي”، بحسب ما أكده نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة سليمان هارون، شارحا “تعود الأزمة إلى نحو 5 أشهر من الآن، لكنها استفحلت في الآونة الأخيرة، إذ وصل الأمر إلى انقطاع بعض أنواع أدوية البنج في حين يتم تسليم أنواع أخرى بكميات محدودة”.

عدم توفر أدوية البنج يدفع المستشفيات كما قال هارون لموقع “الحرة” “إلى التقنين في استخدام الكمية المتوفرة لديها، من خلال تأجيل العمليات غير المستعجلة، وذلك إلى حين استيراد كميات جديدة، في وقت يبرر فيه المستوردون سبب الأزمة بعدم فتح مصرف لبنان اعتمادات لاستيراد هذه الأدوية”.

وقبل أسبوعين أشار مجلس إدارة نقابة أصحاب ​المستشفيات​ في ​لبنان​، بعد اجتماع طارئ عقده برئاسة هارون​ عرض خلاله “الواقع المزري الذي وصل إليه القطاع الاستشفائي في لبنان وما حل به من انهيار” إلى أن “وضع الأمن الصحي في دائرة الخطر الكبير، لا سيما مع توالي مسلسل إقفال المستشفيات بشكل نهائي بعد إقفال بعض الأقسام فيها، رغم التحذيرات التي أطلقتها النقابة منذ أشهر منبهة من الوصول إليه، في ضوء عدم معالجة الأمور بشكل فعال”.

بين التقنين وأخذ الحيطة

مستشفى المنلا واحدة من المستشفيات التي تعاني شحا في أدوية البنج بحسب ما أكد مالكها الدكتور طارق المنلا، الذي شرح لموقع “الحرة” “تمر فترات نعاني من نقص وأخرى يحل الأمر، لكن في الأسابيع الأخيرة ظهرت المشكلة من جديد، نحاول تقنين العمليات، من خلال تأجيل الباردة منها، وإلى الآن لا خطورة على المرضى، لكن نخشى من أن يتأزم الوضع”، معتبرا أنه “عند رفع الدعم ستتوفر كل الأدوية المفقودة”.

كذلك عبر المدير الطبي لمستشفى رفيق الحريري الحكومي الجامعي الدكتور محمود حسون عن خشيته من مواجهة المشكلة التي سبق أن عانت منها المستشفى قبل حوالي السنة خلال جائحة كوفيد حيث انخفضت كمية أدوية البنج التي تستخدم لتنويم المرضى في العناية الفائقة، إلى أن ساهمت منظمات غير حكومية بحل المشكلة من خلال تقديم هذه الأدوية، وقال “الآن الكمية المتوفرة لدينا لم نستخدمها منذ حوالي الشهر بسبب الاضراب والتوقف عن اجراء العمليات”.

وشدد الدكتور حسون في حديث لموقع “الحرة” “نلمس مشكلة أدوية البنج في المستشفيات الخاصة التي بدأت تقتصر العمليات الجراحية على الطارئة منها فقط، لكن الخشية من الوصول إلى مرحلة لا نتمكن فيها من اجراء حتى هذه العمليات ما سيشكل خطر جداً على صحة المريض الذي قد يواجه الموت”.

أما مستشفى أوتيل ديو فقد أخذت الحيطة كيلا تواجه مشكلة انقطاع أدوية البنج كما قال مديرها الطبي الدكتور جورج دبر، مؤكدا لموقع “الحرة” “وضعنا استراتيجية لتغيير أنواع الأدوية في حال انقطاع أي منها ولا مشكلة لدينا”.

كذلك لم تواجه مستشفى طرابلس الحكومي مشكلة انقطاع أدوية البنج حتى الآن وبحسب ما قاله مديرها ناصر عدرا، مشددا “الكمية المتوفرة لدينا لا تكفي لفترة زمنية طويلة، ولا أعلم إن كنا سنواجه مشكلة عند طلبنا لكمية جديدة”، وأضاف في حديث لموقع “الحرة” “في مرحلة ما كان الحصول على الأدوية صعب لعدم توفرها لدى الشركات المستوردة، اليوم الأدوية متوفرة اجمالا لكن بالدولار الأميركي والدفع النقدي”.

وبدأت ملامح أزمة نقص الأدوية في لبنان منذ 2020، إلى أن وصل الانهيار إلى القطاع الصحي إلى حد عجز المستشفيات عن توفير الأدوية والمستلزمات الضرورية، وفي تقرير سابق للبنك الدولي اتهم الطبقة السياسية في لبنان بتدبير الانهيار الاقتصادي للبلاد، محذراً من أن الانهيار يمثل تهديداً طويل الأجل للدولة الصغيرة في الشرق الأوسط.

الخشية من المقبل

شح إمدادات أدوية البنج سببه تراجع احتياطي مصرف لبنان من العملات الصعبة وهو ما سبق أن دفع الحكومة اللبنانية إلى إصدار قرار في شهر نوفمبر الماضي، برفع الدعم الجزئي والكلي عن معظم الأدوية، بعد التصريحات المتكررة لحاكم مصرف لبنان المركزي، رياض سلامة، بعدم توفر الدولارات اللازمة لاستمرار الدعم.

قرار الحكومة اللبنانية دفع منظمة العفو الدولية، إلى اعتبار أن “السلطات اللبنانية تتقاعس عن حماية الحق في الصحة والحياة للمواطنين في خضم أزمة مستمرة جعلت المرضى غير قادرين على تحمل تكاليف الأدوية الأساسية، أو الحصول عليها”.

وأضافت المنظمة في شهر ديسمبر الماضي “رُفع الدعم وارتفعت معه أسعار الأدوية في لبنان أربع مرات مقارنة بعام 2019 في بدايات الأزمة الاقتصادية، ولا يزال النقص في الأدوية شديدا، على الرغم من أن الحكومة كانت تدرك ضرورة رفع الدعم، أقله منذ العام الماضي، إلا أنها تقاعست عن وضع خطة حماية اجتماعية لضمان استمرار توفر الأدوية الأساسية”.

ولمواجهة أزمة انقطاع الدواء من السوق، أطلق رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي الشهر الماضي المرحلة الثانية من ترشيد الدعم والتي ستتركز على الإبقاء على الدعم الكامل للصناعة الدوائية المحلية في مقابل عدم دعم الدواء المستورد المنافس له في السوق اللبناني، ما يحقق وفرا بالعملات الصعبة سيستخدم في استيراد كمية أكبر من أدوية الأمراض السرطانية، وزيادة دعم الصناعة المحلية حتى تصبح قادرة على تغطية كامل احتياجات السوق اللبناني من الدواء.

وقال ميقاتي “صحيح أننا نمر في سلسلة من الأزمات ولكننا في المقابل نرى أوجها عديدة من الإبداع اللبناني، واللبناني غير عاجز بل هو قادر على صناعة ما يجب صنعه. ربما الرفاهية التي مررنا بها في الماضي أبعدتنا قليلا عن الاهتمام بما يمكن أن تصنعه أيدينا، وإذا لم نصنع بأنفسنا ما يجب فعله، فلا ننتظر من الغير أن يساعدنا وينتج معنا”.

أضاف “عقدنا اجتماعا مع وزير الزراعة ومنظمة الفاو، أظهرت مناقشاته أن لبنان، يمكنه في خلال سنة، أن يحقق اكتفاء ذاتيا من القمح بزراعة 8 ألف دونم في مناطق مختلفة من لبنان ما يجعلنا قادرين على وقف الاستيراد وإنتاج ما يكفي استهلاكنا المحلي. واليوم يتكرر الأمر ذاته مع قطاع تصنيع الدواء، الذي بات استيراده من الخارج يحتم أعباء على الخزينة، وما يمكنني قوله إنه من خلال هذا التكامل يمكننا أن ننطلق نحو مرحلة مهمة من الاكتفاء الذاتي”.

المشكلة لا تطال فقط أدوية البنج بل عدة أنواع من الأدوية، كأدوية السرطان والأمراض المستعصية حيث أن جزء مهما منها مفقود من السوق المحلي، بحسب ما قاله رئيس لجنة الصحة النيابية الدكتور عاصم عراجي، مضيفا أن “مشكلة أدوية البنج طرأت مؤخرا وهذا أمر خطير إذ للأسف الكمية المتوفرة منها لا تكفي سوى فترة زمنية بسيطة”.

حدد مصرف لبنان مبلغ 35 مليون دولار موازنة لوزارة الصحة، 25 مليونا منها لدعم الأدوية المستعصية والسرطانية و10 ملايين للمستلزمات الطبية، في وقت يحتاج استيراد الأدوية إلى مبلغ أكبر لدعمه من هنا عدد كبير منها مفقود من السوق.

وأشار عراجي في حديث لموقع “الحرة” إلى أن “موافقة مجلس الوزراء على استخدام 13 مليون دولار من أموال السحب الخاص لاستيراد الأدوية والمسلتزمات الطبية  يؤشر إلى عدم توفر الدولارات لدى مصرف لبنان وإلى أننا نتجه إلى مأزق كبير يتمثل بمرحلة رفع الدعم عن الأدوية وبالتالي ارتفاع سعرها، لا بل منها ما سيفقد من السوق كأدوية السرطان التي ليس بمقدور المرضى شرائها”.

مطالبة بحل جذري

تتواصل وزارة الصحة كما قال نقيب مستوردي الأدوية كريم جبارة لموقع “الحرة”  مع جميع المعنيين إن كانت شركات مستوردة للأدوية أو مستشفيات وهي على طريق ايجاد الحلول.

وكانت نقابة الشركات المستوردة للأدوية وأصحاب المستودعات في لبنان، شددت في وقت سابق على أن الشركات المستوردة مستمرة بتأمين احتياجات السوق من الدواء، وذلك بحسب قدرة كل شركة وبحسب المخزون المتوافر لديها.

كما شددت النقابة في بيان على أن الشركات المستوردة للأدوية تقوم جاهدة بالعمل على تأمين احتياجات السوق بالرغم من الأزمة القاهرة وظروفها المعروفة، مؤكدة أن الشركات تجهد للقيام بواجباتها الأخلاقية والوطنية، بالرغم من تكبدها خسائر مالية جسيمة.

وقبل أيام أبلغ وزير الصحة العامة الدكتور ​فراس أبيض​، خلال اجتماع في ​وزارة الصحة العامة​، مع ​نقابة مستوردي الأدوية​ في لبنان، قرار مجلس الوزراء الموافقة على تحويل 13 مليونا وحوالى 300 ألف دولار، لاستيراد أدوية للأمراض السرطانية والمزمنة ومواد أولية لزوم الصناعة المحلية للدواء ومستلزمات طبية ضرورية وحليب للأطفال، وقد باشر ​مصرف لبنان​ بإجراء التحويلات المالية اللازمة.

أبيض أكد استمرارية دعم الحكومة للدواء، مشيرا إلى أنه “اتفق مع وزير المالية ​يوسف خليل​ على هامش اجتماع مجلس الوزراء، على الآلية الواجب اعتمادها لاستمرارية تأمين الأموال اللازمة لملف الدواء وعدم تكرار ما حصل أخيراً”، وكشف أن “أي تحويل للأموال من قبل مصرف لبنان، لم يتم خلال الأسابيع الأربعة الماضية”.

وتوجه أبيض بالشكر إلى بعض الشركات التي لم توقف استيراد الأدوية إلى لبنان رغم التأخير الذي حصل في تحويل الأموال، داعيا “الشركات العالمية التي جمدت التوريد إلى التسريع في استئناف نشاطها وتعويض النقص الحاصل في سوق الدواء، بعد حل المسألة المالية”، مؤكدا أن “ملف الدواء وتأمينه في الوقت اللازم، وبالسعر المقبول للمرضى يحتل مقدمة الأولويات في وزارة الصحة”.

نقيب الصيادلة الدكتور جو سلوم اعتبر لجوء مجلس الوزراء إلى أموال السحب الخاص لاستيراد الدواء بمثابة حل مرحلي للأزمة، وبأن الحل الجذري يتطلب سياسة دوائية واضحة وشاملة، تقوم إما على دعم مستمر للأدوية أو برفع الدعم عنها مقابل دعم المريض اللبناني مباشرة من خلال بطاقة دوائية واستشفائية تؤمن له استمرارية العلاج.

 وطمأن سلوم عبر موقع “الحرة” إلى أن هناك حلحلة جزئية بعد قرار مجلس الوزراء وبأنه خلال أسبوعين ستصل كميات من أدوية البنج.

كذلك شدد هارون على ضرورة “إما أن يكون بمقدور مصرف لبنان فتح اعتمادات لاستيراد الأدوية أو ليرفع الدعم عنها إذ لا يمكننا الاستمرار على هذا النحو”، في حين رأى عراجي أن “الحل يحتاج إلى استقرار سياسي وخطة سريعة وطويلة الأمد لانقاذ القطاع الطبي الذي يعاني من وضع سيء جداً، لاسيما بعد هجرة آلاف الأطباء والممرضات والممرضين ومع تراجع نوعية الخدمات، وإلا سنواجه الأسوأ”.