خطة التعافي تبرئ الدولة وتصفّي المودعين والمصارف… بتوقيع “الصندوق”

سابين عويس – النهار

أخيراً أفرجت الحكومة عن خطتها للتعافي الاقتصادي والمالي، والتي جاءت تحت عنوان “مذكرة السياسات الاقتصادية والمالية ل#لبنان”، وهي الترجمة العملية للاتفاق الموقّع مع صندوق النقد الدولي، وتلحظ التزامات لبنان تجاه الصندوق ضمن مراحل تمتد على مدى فترة البرنامج المتفق عليها وهي 46 شهراً، للحصول على برنامج تمويلي معه.




لم يكن الإعلان عن المسودة رسمياً، بل جرى تسريبه اول من أمس، مثيراً موجة من الذهول نتيجة المقاربة التي تم التعامل بها مع الأزمة في البلاد، والتي وافقت عليها الحكومة اللبنانية خلال مشاوراتها مع بعثة الصندوق، اذ افتقدت الخصوصية اللبنانية للأزمة، فاستسلمت لمقاربة الصندوق في وضع أطر المعالجة والخروج منها، من دون أي جهود خاصة تخفف اعباء البرنامج على الاقتصاد وعلى اللبنانيين، رغم إدراكها أن الإجراءات المقترحة لن تؤدي عملياً إلا الى مزيد من إفقار البلاد وانهيار قطاعه المصرفي الذي يُفترض ان تكون عملية اعادة هيكلته ورسملته الرافعة لأي نشاط ونمو وتعافٍ تطمح الحكومة الى تحقيقها.

هي خمس سنوات من السياسات التقشفية ينتظرها اللبنانيون، بأهداف متواضعة بعد الإخفاقات الناجمة عن سياسات عشوائية زبائنية تحكمت بها الأهداف السياسية والمصالح الخاصة، من الصعب التكهن بنجاحها في اخراج البلاد من كبوتها، خصوصاً ان واضعي هذه السياسات لا يختلفون أبداً بأهدافهم وطموحاتهم عمن سبقوهم. ومبرر هذا القول سياسة كسب الوقت التي انتهجوها منذ بدء الأزمة قبل عامين ونيف وأوصلت البلاد الى الانزلاق اكثر في مستنقع الانهيار، فيما كان يمكن تفادي الإجراءات المؤلمة المطروحة، لو أحسِنت إدارة التفليسة سابقاً، ولم تُهدر احتياطات المصرف المركزي على سياسات دعم لم تؤتِ ثمارها.

تهدف الحكومة في خطتها في محور سياسات القطاع المالي الى تطبيق إجراءات طلبها الصندوق ضمن الإجراءات المسبقة التي على اساسها يوافق مجلس ادارته على البرنامج التمويلي. وهذه الإجراءات ترتكز على تحجيم النظام المالي واعادة رسملته التي تحتاج الى 72 مليار دولار أو ما يعادل 300 في المئة من حجم الناتج المقدر لعام 2021. وتعتمد الحكومة على ما أقره مجلس الوزراء من استراتيجية اعادة تأهيل المصارف (ضمن الإجراءات المسبقة) وهذا يتطلب اقرار قانون طارىء لإعادة هيكلة المصارف، وإقرار “الكابيتال كونترول”، وتعديل قانون السرية المصرفية.

في الإجراء الثاني المقترح في الخطة، التزام اعادة تكوين رأسمال المصرف المركزي (بقيمة 60 مليار دولار، علماً ان القيمة الحقيقية تحتاج الى مزيد من التدقيق). وهنا تعتمد الحكومة على عمل شركة التدقيق KPMG الموافَق على عملها من قِبل الصندوق (وليس التدقيق الجنائي لشركة “ألفاريز اند مارسال”)، على ان يصار الى الكشف عن حجم الاحتياطات الصافية بموجب تدقيق الشركة في نهاية تموز المقبل. وسيتم بناء عليه، شطب 60 مليار دولار من التزامات “المركزي” تجاه المصارف التجارية! اي ان خسائر “المركزي” ستُحمَّل للمصارف. أما اعادة رسملة “المركزي” فستتم بجزء منها عبر سندات سيادية بقيمة مليارين ونصف مليار دولار يمكن زيادتها وفق قدرة الدولة على تحمّل اعباء الدين، على ان تُلغى باقي الخسائر السلبية في رأس المال تدريجاً على مدى خمس سنوات!

على صعيد القطاع المصرفي، تقترح الخطة رسملة المصارف القابلة للاستمرار وحلّ تلك غير القابلة لذلك لتسوية الديون السيادية والتزامات المصرف المركزي، وتفترض لذلك مساهمات ضخمة من كبار المودعين، على ان تكون هناك مراعاة لتراتبية الحقوق وحماية الودائع حتى 100 ألف دولار. أما كل ما يتجاوز هذا الرقم، فسيتم تحويله الى حصص ملكية او حذف جزء منه او تحويله الى الليرة بأسعار صرف ليست تبعاً لسوق القطع، اي وبلغة عربية أوضح، اجراء عمليات اقتطاع على الودائع لم تعلن الخطة نِسبها بعد.

ولأن نظام الصرف لم يعد مستداماً ونشأت عنه ظاهرة تعدد أسعار الصرف (صدفة؟) وخسارة العملة اللبنانية 90 في المئة من قيمتها وارتفاع كبير في نِسب التضخم، فإن الخطة تقترح توحيد أسعار الصرف من خلال منصة “صيرفة” والتدخل في السوق عند حصول اضطرابات شديدة، شرط العودة الى التشاور مع الصندوق اذا تجاوز البيع التراكمي 100 مليون دولار خلال 5 ايام عمل.

تدعو الخطة الى تقييم خسائر 14 مصرفاً تشكل 85 في المئة من مجمل الأصول المصرفية، ملتزمة إنهاء التقييم في نهاية تموز المقبل. وعلى اساسه، تدعو الخطة المصارف القابلة للاستمرار الى ضخ رساميل جديدة، وحلّ تلك غير القابلة للاستمرار بمقتضى القانون الطارىء لإعادة هيكلة المصارف ولتأمين السيولة. تقترح الخطة اعادة ودائع بالليرة او الدولار او كليهما بسعر يحدده السوق. وترمي الاستراتيجية الكلية الى بناء شبكة أمان مالية استباقية لمعالجة التحديات المتأصلة في نماذج العمل المعاد تشكيلها للمصارف، والى دعم نمو القطاع الخاص وليس علاقة المصارف بالقطاع العام، ما يعني عملياً وقف النظام الريعي وتمويل المصارف للدولة.

لا تلقى الخطة المقترحة والموقَّع عليها مع الصندوق قبولاً لدى المصارف التي ادركت انها حُمّلت مسؤولية الخسائر وتعويضها على الناس. وقد نقل وفد جمعية المصارف الى رئيس الحكومة أمس هذا الانطباع، من دون ان يخرج بما يطمئنه او يبدده، خصوصاً ان الخطة تحدد بوضوح الحد من اي مسار يتسبب باللجوء الى الموارد العامة، اي بكلام أوضح، تتنصل الدولة من اي مسؤولية او التزامات تجاه المصارف او تجاه المودعين، برفضها المساس بأصولها او مواردها، علماً ان المصارف كانت اقترحت واعادت الاقتراح بانشاء صندوق لإدارة أصول الدولة.

وبحسب مصادر مصرفية، لا تعتبر المصارف نفسها معنية بتنفيذ خطة وصفتها بأنها ترمي الى ضرب القطاع برمّته، وتحميله المسؤولية الكاملة للخسائر. وكشفت انه اذا كان هذا هو الهدف الذي تطمح اليه السلطة، فلا يمكنها افلاس المصارف من دون ان تتحمل مسؤولية ذلك، لأن التعامل بهذه الطريقة مع القطاع لن يؤدي الا الى افلاسه لمصلحة قيام مجموعة مصرفية صغيرة ومحددة تتولى إدارة القطاع. فالمصارف، وفق المصادر، عاجزة عن اعادة الرسملة.

وفي حين لم تتبلور بعد هوية المصارف المستعدة لتحمل مسؤولية الخسائر والسير في اعادة الرسملة والهيكلة، عُلِم ان عددا كبيراً منها يتجه نحو الادعاء على الدولة والمصرف المركزي بتهمة حجز الأموال وهدرها، بما يتيح لها حماية مودعيها ومساهميها، وأقل ما يمكن ان يؤدي اليه الادعاء هو ربط النزاع في انتظار التوصل الى معالجات مسؤولة.