النظام العالمي على محك حرب أوكرانيا – د خطار أبودياب – نداء بوست

ساد الاعتقاد عند اندلاع الحرب الروسية ضد أوكرانيا، أننا أمام تغيير حاسم في المعادلات الدولية. لكن مجريات الحرب وتتماتها وتداعياتها تشير إلى أنه من المبكر رسم ملامح التوازُنات الجديدة إذ إننا لا نزال وسط الفوضى الإستراتيجية عالمياً مع استمرار الولايات المتحدة الأمريكية بتبوُّؤ موقع القوة العظمى الوحيدة، ومن هنا فإن مخاض انبثاق نظام عالمي جديد سيكون عسيراً .

إزاء تصميم روسيا على كسر نظام الأحادية الأمريكية المهيمنة كما يقول لافروف، وحيال وقفة الغرب الواحدة أطلسياً وأوروبياً حسَبَ بايدن، وعلى ضوء موقف الصين الحَذِر والداعم لموسكو، يتضح أن الصراع الدولي المتعدد الأبعاد هو الذي سيغلب على الصورة، وبالرغم من ذلك يتشكل عملياً النظام العالمي المتعدد الأقطاب من دون صِيَغ تنظيمية ملزمة.




قبل نشوب الحرب وعند اندلاعها، كان هناك اعتقاد أنها ستكرّس بروز قطبية ثلاثية دولية أمريكية – صينية – روسية، خاصة أن رئيس الأركان الأمريكي كان قد اعترف منذ حين بوجود قطبية ثلاثية ترتسم على الصعيد العسكري. لكن يبدو أن الحرب الروسية ضد أوكرانيا حتى اللحظة لم تسمح بتعديل موازين القوى لصالح تقليص الغلبة الأمريكية، وأن عودة الحرب إلى قلب أوروبا من جديد زادت من الانكشاف الأوروبي الإستراتيجي إزاء المظلة الأمنية الأمريكية – الأطلسية.

يتوجب التذكير أن الإستراتيجية المؤقتة للأمن القومي الأمريكي تنظر إلى كل من روسيا والصين، كمهدديْنِ رئيسييْنِ، يعملان لـ “احتواء تفوُّق واشنطن” وكذا عرقلتها في حماية مصالحها ومصالح حلفائها في العالم. من جهتها، تتملك روسيا هواجسُ بخصوص أمنها القومي من أوكرانيا معادية ومن بِنْية أطلسية تحتية تقترب من حدودها، لكن رهان موسكو على الانقسامات الأوروبية لتحقيق أهداف “العملية الخاصة” في أوكرانيا فشل، ويبدو أن التدخل الروسي أدى إلى عكس المُرتجَى منه عَبْر تنشيط التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة.

يمكننا بعد خمسين يوماً على الغزو الروسي القول إن هذا الصدام الكبير الذي اتخذ شكل مجابهة عالمية، وزلزل أُسُس النظام الجيوسياسي العالمي، لن يسمح بتطوُّر تلقائي نحو قطبية ثلاثية؛ لأن الارتباك الإستراتيجي العالمي يؤكد أن العالم أكثر تعقيداً ولا تختزل حرب أوكرانيا تعقيداته.

لسنا في أوكرانيا فقط أمام صراع قومي أو عودة لعصر الإمبراطوريات، أو حرب اقتصادية خاصة على أسواق الطاقة والأمن الغذائي، أو تكرار لحروب القرن الماضي. لكننا بالفعل أمام صراع يتعدى أوكرانيا ويمسّ عن قرب معادلات الأمن الأوروبي والنظام العالمي.

ومن الواضح أن واشنطن انتهزت نزعات فلاديمير بوتين وعمليته العسكرية كي تسعى لإغراقه في المستنقع الأوكراني، وتوجه من خلاله رسالة ردع مشفرة إلى الصين المنافس الأساسي، التي تم ذكرها ١٥ مرة (في وثيقة “التوجيه الإستراتيجي المؤقت لإستراتيجية الأمن القومي- مارس ٢٠٢٢، مقابل ذكر روسيا مرة واحدة) وكل ذلك في إطار ضرورة التأهب لمواجهة “تهديد الصعود الصيني”، خاصة أن الصين أصبحت المنافس الوحيد القادر على الجمع بين القوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية، وتحدي القدرات الأمريكية وموقع القوة العظمى بشكل جدي بحدود ٢٠٢٨- ٢٠٣٠.

منذ ٢٠١٢ إبان إدارة باراك أوباما، اعتمدت واشنطن خيار ” الاستدارة الإستراتيجية” نحو آسيا والمحيط الهادئ من أجل إعطاء الأولوية في التصدي للصين. لكن تطوُّرات الأحداث يلزمها الآن التركيز على روسيا من دون إهمال التحضير ضد الصين عَبْر سلسلة أحلاف أبرزها حلف أوكوس (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا) وحلف كواد ( الولايات المتحدة وأستراليا والهند واليابان) مع الإشارة للتحالفات الأمريكية الأخرى مع كوريا الجنوبية وغيرها.

هكذا لا يمكن فصل صراع أوكرانيا عن الصراعات المستقبلية واختبارات القوة التي ستقرر المصير الإستراتيجي لآسيا وموقع الصين.

ونظراً لحجم الرهانات والتوقعات وعدم قدرة الرئيس بوتين حتى الآن على تحقيق أهدافه أو بعضها الأساسي. ولذا نحن بعيدون عن نهاية لحرب بين دولة كانت عظمى ودولة أخرى كانت جزءاً منها.

من نافلة القول أن عالم ما بعد حرب أوكرانيا سيكون مختلفاً. لكن على عكس منعطف ١٩٨٩ عند سقوط جدار برلين والذي فتح الباب لتكريس وتوسيع العولمة وانفتاح الاقتصاديات، يبدو منعطف ٢٠٢٢ مع حرب أوكرانيا التأكيد لنهاية “العولمة السعيدة” بعد تصدعها وللمزيد من الغلاء والتضخم والانغلاق والانقسام. ويعتقد الكثير من الاقتصاديين أننا سنشهد نهاية الليبرالية وعودة الشوفينية القومية ضمن “التحول الكبير”.

في هذا الإطار وفي مواجهة التهديد الروسي وعواقب الحرب المستمرة، بدأت الصحوة العسكرية الأوروبية في الظهور بشكل تدريجي.

بينما يعزز الناتو جناحه الشرقي ويمكن له أن يتوسع، يتخطى الاتحاد الأوروبي الانقسامات ويتبنى “بوصلته الإستراتيجية” من أجل الوصول إلى بلورة قطب أوروبي دفاعي.

عبر لعبة الرقص على الصفيح الساخن ومحاولة تغيير الخرائط، تحتدم الحرب في أوكرانيا. ويدخل العالم في مخاض طويل من الفوضى الإستراتيجية لا يمكننا الآن توقُّع نتائجه النهائية. وكما فشلت واشنطن في تشكيل العالم كما ترغب بعد الحرب الباردة، لن تتمكن موسكو بسهولة من تغيير قواعد إدارة اللعبة الدولية، وسينتظر معسكر الكبار خُلاصات حرب أوكرانيا ودخول الصين اللاحق إلى حلبة المجابهة المتكاملة وتَبَلْوُر المعادلة الجديدة في أوروبا بعد عودة عَسْكَرة ألمانيا.