هجرة الجامعات…

ابراهيم حيدر – النهار

الانهيار في لبنان كان صعباً على الجامعات، العريقة والتاريخية. هي تغالب الأزمات وتحاول الحفاظ على رصيدها في بلدها الأم، بعد ما أحدثت السنوات الثلاث الماضية ما يشبه الزلزال في التعليم العالي في لبنان. واجهت الجامعات أعتى العواصف، ومن بينها #الجامعة اللبنانية الرسمية المهدّدة بوجودها بسبب تخلي الدولة عن احتضانها. تلقت الجامعات ضربات سبّبها الانهيار في البلد وفساد السلطة السياسية ومحاصصاتها الطائفية وتغطيتها لمخالفات الجامعات التجارية، وعجز الدولة عن تأمين الرعاية والحماية وتوفير الحصانة والمناخات التي تمكن مؤسسات التعليم العالي من الصمود وتستمر في التزام المعايير الاكاديمية والتقدم للمنافسة عربياً وعالمياً.




الحكومة اللبنانية التي تقول إنها تتصدى لملفات أساسية في البلد، لم تخصّص جلسة واحدة لمناقشة ملف التعليم العالي، ولا حتى الجامعة اللبنانية، باستثناء محاولات جادة قام بها وزير التربية في مجلس الوزراء وجوبهت بالرفض واللامبالاة في ما يخص شؤون اللبنانية، إلى تخطيطه لوضع استراتيجية للتعليم العالي، وتفعيل عمل مجلس التعليم العالي، لكن الحكومة هي المسؤولة عن الحفاظ على إحدى ركائز لبنان، فإذا بقيت مقاربتها ونظرتها تنفيعيتين لهذا القطاع، وعدم اكتراثها للوضع الصعب الذي تعانيه المؤسسات، يعني ذلك كأنها تنتقم من جامعات ترتبط بنشأة الكيان، وهو بمثابة انقلاب على تاريخها ودورها وموقعها.

تفقد الجامعات الكثير من رصيدها، خسرت أساتذة أكفاء، وانتُزعت ريادتها العربية، وفقد لبنان موقعه الطليعي الأول تعليمياً في المنطقة. وللجامعات مبالغ مالية على الدولة لم تُسدد لتسعفها في مواجهة الازمة، فتقدمت بما تملكه من رصيد للبقاء والصمود، وفتحت على طاقاتها في العالم وخريجيها ومراكزها المتخصصة، فقرر بعضها الهجرة للتمكن من الصمود وإبقاء وجودها المتجذر في لبنان تاريخياً. المفارقة أنه في تاريخ الازمات اللبنانية وخلال الحرب الاهلية والاغتيالات والتفجيرات، لم تتخذ الجامعات، وأقصد تلك التي ترتبط بتاريخ لبنان حتى قبل إعلان كيانه، قراراً ببناء أحرام وفروع لها في الخارج. وها هي الجامعة الأميركية في بيروت توقع وبلدية بافوس القبرصية اتفاقاً لإنشاء حرم الجامعة الأميركية في بيروت – ميديترانيو. فهي المرة الأولى التي تنشئ حرماً لها خارج لبنان، بعد أن دأبت على تعليم الطلاب في بيروت على مدى 155 عاماً. والامر لا يقتصر على قبرص، بل تخطط الجامعة لحرم في دبي وإن كان المشروع لا يزال قيد الدرس.

وبالرغم من أن الهدف هو توسيع المشاريع الخارجية للحفاظ على وجودها في بيروت، أقله كما أوضحت الأميركية كي لا يقال إنها تترك العاصمة اللبنانية، بسبب الانهيار المالي، فإن الخسارة واقعة على البلد الذي تدفع طبقته الحاكمة الجميع إلى الهجرة بعدما سُدّت آفاق التغيير والإنقاذ. جامعاتنا كانت تستقطب الطلاب الدوليين والعرب، لكنهم اليوم ربما يفضلون الذهاب الى الأحرام الجديدة بدلاً من بيروت، لأن المدينة فقدت ريادتها وموقعها الثقافي والتعليمي. ولأهمية ما تمثله الجامعة الاميركية مثلاً، شارك رئيس جمهورية قبرص نيكوس أناستاسيادس في حفل إطلاق حرم بافوس، قائلاً إن إنشاء “ميديترانيو”، يعزز موقع بافوس على خريطة التعليم الأكاديمي العالي، ويوفر في الوقت عينه بُعداً ومحتوى جوهريين لرؤية الدولة وسياستها من أجل ترقية بلدنا إلى مركز تعليمي وبحثي إقليمي.

ما يحدث ليس إنذاراً فحسب، إنه كارثة وطنية.