سمير عطا الله

أقوياء الرماد – سمير عطالله – النهار

“بِمَ التعلل، لا أهل ولا وطن، ولا نديم، ولا كأس، ولا سكن”
المتنبي

لم يُمضِ العالم مثل هذه الكمية من الوقت أمام التلفزيون. ليس فقط بسبب نوعية الحرب وأهميتها، بل بسبب التطوّر الهائل في تقنية التصوير والنقل وشجاعة وطاقة فرق المراسلة، ومغامرة الشابات والشبان في دخول ساحات الوغى. وهو اليوم ليس حربة عنترة ولا أبجره، بل تهديد بوتين اللطيف بالنووي، كما هو حقول القتل، وتحمُّل مشاق السفر، واحتمالات الموت والجوع والتيه ومشاعر الصدمة الرهيبة أمام مشهد الخراب والدمار وقسوة القتلة ووضاعتهم، وخساسة المبررات أمام حجم الفظائع.




مسرح عالمي لم نشهد مثله وفي حجمه وبؤسه مباشرة من قبل: لا في الميدان والجبهات الكثيرة، ولا في كثرة المحاولات والوساطات السياسية، بدءاً من الطاولة المذلّة التي اختارها فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين لاستقبال ضيوفه من رؤساء الدول، الى الطريقة التي استقبل وحاور بها رئيس النمسا.

العرض العسكري والسياسي العالمي كان رثّاً وعزيزاً معاً. الرئيسة الاوروبية أورسولا فون درلاين تهبط في كييف كأنها تتنزه في مروج القرنفل الهولندية، وعشرات الآلاف من البشر سائرة، أو قابعة، في قوافل الذل، أو طوابير العذاب.

عرض عالمي، ماتينيه وسواريه. في الصباح يظهر فولوديمير زيلينسكي في خراب مهجور لمناشدة الأسرة الدولية، وفي المساء يظهر فلاديمير فلاديميروفيتش وسط مذهّبات الكرملين، لمخاطبة “الدول الصديقة”. لا بد انك لاحظت الاحرفية، أو الابجدية، تغيرت هي ايضاً بسبب المكرهة المتفجرة. فلاديمير هنا، هو فولوديمير هناك. هنا تُكتب كييف بياء واحدة وهناك بياءين. وهلمّجرا.

رفض #غسان تويني ان يصدق انها حرب أهلية، وان ال#لبنانيين مثل سائر البشر ينزلون الى غرائزهم في الامتحان الصعب. وسمّى ما حدث “حروب الآخرين”. لا يريد القبول بأن شعبه هو ايضاً جزار وقاتل وهوية ورعب وخطف وصبرا وشاتيلا. وظل يرفض ذلك حتى بعدما زادت بيانات الشرطة على 150 ألف قتيل.

ما يرفض العالم الاعتراف به الآن، أو حتى التنبه إليه، هو ان ما يجري بين روسيا واوكرانيا، هو حرب اهلية وليست حرباً عالمية، ولا اقليمية، ولا اوروبية. هذه حرب أنذال عنصرية اهلية اخوية عرقية إثنية. البحث عن اسماء أخرى لهذا الفتك الدموي الرهيب هو مجرد لعب على الكلام فوق المقابر المفتوحة، ورقص مع الجثث الملفوفة بأكياس البلاستيك السوداء.

أنت حر في أي حال. حر في ان تسمي ما يجري أمامك، ما تشاء. ليس ما هو أكذب من القاموس، ولا أرخص من المفردات. حتى المسيو ماكرون، الذي بدأ في مرفأ بيروت رحلة الوساطة في عالم القتل، قال أخيراً إنه ليس من المصلحة العامة تسمية ما يجري “جرائم حرب” كما فعل جو بايدن. إنها مجرد جرائم عادية كلّفت بضع مدن ونحو تريليون دولار، وهددت بعض العالم بالمجاعة، وأكثر من عشرة ملايين مشرد، وبدَّدت الحلم بوفاق عالمي محتمل الى سنوات لا تُعرف مدتها. مثل كل حرب أخرى، دعيت الأرواح المتناثرة الى التجمع من جديد، في ساحة النظام الدولي. لماذا؟ لأن روسيا تريد ضمان أمنها من الاطلسي ومن أطماع اميركا. هل سمعت هذا الكلام من قبل؟ خاصرة اسرائيل والغارات الاستباقية؟ خاصرة اميركا من هاواي الى كوبا الى سايغون وتسي خانه؟ مسألة خواصر ومنطق تحية كاريوكا.

ثمة سيدة في ركام كييف، يسألها المراسل. سيدة متقدمة في السن ومنديل أبيض، ووجه بلا مسحة مساحيق، وتعضّ على شفتيها لكي لا ترتخيا للبكاء، يسألها الموفد، وهي وحيدة في هذا الجحيم من الخراب والركام والبيوت التي كانت هنا ولم تعد هنا، وهي لا تملك ثمن مسحة “حمرة شفاه” تموّه بها أحزان الأرض وانتصارات فلاديمير وفولوديمير، يسألها: لماذا لا تهربين من هذا الجحيم مع الهاربين؟ تجيب، من دون ان تتوقف: لأنني أعتني بأمي، وأمي لا تستطيع التحرك.

ربما اسمكِ أولغا، كما يوحي عمرك. أو كاترينا. أو لودميلا. أو ما حفظنا من ايام الماضي البعيد، الذي يعيد ولا يستعيد. يا كاترينا يا عزيزتي أمك ليست مهمة، هي وعماها وعجزها بين الركام. المهم يا كاترينا النظام الدولي وأمه، وأم أمه، وأم الذي وضعه وسمّاه نظاماً. يا كاترينا اصغِ إليّ قليلاً. المسألة (مسألة النظام الدولي) حساسة جداً. ألم تنتبهي الى اطماع الناتو في شرق اوكرانيا؟ ألم تلاحظي ان الاوكرانيين لا يحبون الروس؟ فكيف لا نلقّنهم درساً أخيراً في المحبة؟ هذا كل ما نريد. قليلاً من المحبة يا كاترينا. تحبوننا نحبكم. تعلّموا المحبة من “سفن أب”. “سبعة. رقم الحظ” يا كاترينا.

حلم يوسف الحسن، عند المسيحيين، وفي القرآن، الذي شغف امرأة العزيز حباً، أم انك يا كاترينا تريدين ان اقرأ عليك قصيدة محمود درويش التي تُتلى في هذه المناسبات: “أنا يوسف يا أبي، يا أبي اخوتي لا يحبونني، لا يريدونني بينهم يا أبي، يعتدون عليّ ويرمونني بالحصى والكلام، يريدونني ان اموت لكي يمدحوني، فماذا فعلت أنا يا أبي؟”.

دعني أقل لك يا يوسف ما فعلت. ضيّعت القضية الفلسطينية والعربية، وعطّلت عمل المقاومة. دمَّرت العروبة، والآن تعاند الفارسية. ظلمتَ السنّة والآن تظلم الشيعة. تعاملت مع الاستعمار وانتقلت الى الامبريالية، ثم الصهيونية، والآن الصهيو- اميركية معاً. وأنا يوسف يا أبي. وقد رميتني مع جميع ضعفاء العالم في جبّ النظام الدولي. وحيداً، ضعيفاً في كل مكان ولا اصدقاء. الاصدقاء فقط للرئيس بوتين. والحلفاء للرئيس جو. والبيوت لمحتليها. وأنا يوسف لي في النظام الدولي المخيمات والأوتاد وما أشبه. لذلك، أحب ان اوجّه تحية خاصة وخالصة الى النظام الدولي بجميع يدَي وجميع اصابعي، وايضاً إلى أمه وأخته وحفاري القبور في فصائله. الفرعون لا يزال حياً يا أبي. واخوتي لا يتغيرون. والدنيا حيض من فيض. ومعلمنا القذافي قال المرأة لا تحكم لأنها تحيض. والحيض هو فاض ما لا تحتاجه من دماء. أما الرجل فلا يكفيه فائضُ حياض الدورات الدموية عبر التاريخ.

سامحني يا أبي، أنا يوسف. وأنت خلقتني ثم خلقت لي اخوتي. واخوتي مع النظام الدولي، وأمه وأخته. واوكرانيا عدوّته. فلتسقط على الطرقات الى حين انتهاء العملية العسكرية الخاصة بها. هناك عمليات عسكرية خاصة بغيرها، شرطها الوحيد عدم إلحاق الأذى بالمدنيين.

هكذا يفعل النظام الدولي في لبنان: يحصي نسبة البطالة وعدد المقترعين. لا ارقام لعدد البؤساء والحزانى والعجزة والاطفال البائسين ومصابي الامراض النفسية، وفاقدي المستقبل وفاقدي الأمل وفاقدي الرغبة في البقاء، أو في الحياة برمّتها. ولا احصاءات لحالات الاكتئاب والقرف والاعصاب.

تفاءلوا. النظام الجديد قيد الإعداد. الدولي والمحلّي ومن يأتي أولاً.

السؤال الجوهري هنا: ماذا سيكون موقع فولوديمير في النظام الدولي وفي التاريخ؟ هل هو بطل صغير أدّى دوراً كبيراً أم هو مغفل كبير لا يفرّق بين البطولة والانتحار؟ هل هو بطل قومي مثل جاندارك ومانديلا وسيمون بوليفار، أم مجنون بذاته يقود شعبه الى الموت ووطنه الى الخراب؟ أين تبدأ وأين تنتهي حدود الكرامة الوطنية، في العقل والذل، أم في الإهانة والسلامة؟ من الفجور طرح هذا السؤال اليوم على 40 مليون اوكراني. أو السؤال الآخر: هل السيد بوتين مكلّف من جميع الروس قيادتهم الى مذبحة القاتل والقتيل، أم زيلينسكي مكلّف خوض الضعيف المظلوم ضد بادىء العداء ومشرّع المذلة؟ الحقيقة ان المهم هوالنظام الدولي، الجديد وأمه وأخته واختاتهن كلياتن.