الأصوات التفضيلية: معركة أساسية يكسبها حزب الله

لم تكد تنتهي انتخابات العام 2018 وحسم نتائجها ومقاعدها النيابية التي توزعت على الأطراف كافةَ؛ حتى عمد مناصرو الأحزاب للتباهي بحجم الأصوات التفضيلية التي نالوها. وهنا تتمحور الإشكالية الرئيسية في الانتخابات المقبلة: هل تعكس الأصوات التفضيلية الحجم الحقيقي لفاعلية الاحزاب الانتخابية والشعبية؟

منعًا لأي لغط، أتدرج من تبسيط للقانون الانتخابي، رغم مرور أربع سنوات على العمل به. فهو لا يزال لغزًا لم يتقنه الجميع. وبتعريف بسيط ومختصر يعتبر هذا القانون “ستيني مُجمّل” (نسبةَ إلى القانون الأكثري المعتمد قبل العام 2018). وسمته الأساسية ما يعرف بالصوت التفضيلي الذي يعكس الأصوات الفعلية التي نالها المرشح من مجمل الأصوات التي نالتها لائحته.

توزع الأصوات على الأحزاب
وإذا عدنا بالذاكرة إلى العام 2018، نجد أن حزب الله حلّ في المرتبة الأولى، نسبة إلى حجم الأصوات التي حصل عليها بالتحالف مع بعض مرشحيه غير الحزبيين. ومجمل الأصوات التفضيلية من المقترعين في انتخابات الاخيرة بلغت 1759068 صوتًا؛ حصل منها حزب الله على 343220 صوتًا تفضيليًا، أي ما نسبته 19.51 في المئة من مجموعها العام. ولكن إذا غصنا في توزع هذه الأرقام على المرشحين، نجد أن الحزبيين نالوا 289174 صوتًا، وباقي الأصوات ذهبت لحلفاء حزب الله. والتيار العوني نال ما مجموعه 276610 صوتًا، أي ما يعادل 15.72 في المئة، علمًا أن الحزبيين نالوا فقط 142.002 من الأصوت، ونال الحلفاء 134608 منها. وهذا يعكس تفاوتًا كبيرًا. وإذا كانت الأصوات التفضيلية تعكس حجم القوى السياسية، فأن الدور الأكبر فيها للتحالفات، خصوصًا أن بعض الدوائر تضم مناصرين لحزب معين، من دون وجود مرشح حزبي.




واذا أردنا ترتيب الأحزاب وفقًا للأصوات التفضيلية التي نالها الحزبيون، لوجدنا أن حزب الله يقبع في المرتبة الأولى بـ289174 صوتًا. يليه تيار المستقبل بـ176,490 صوتًا. ثم حركة أمل بـ165,556 صوتًا، وفي المرتبة الرابعة يحل التيار العوني بـ142,002 من الأصوان، والقوات اللبنانية بـ128,712 صوتًا، يليها تواليًا الاشتراكي 58481 صوتًا، فالمجتمع المدني 45104 صوتًا، وتيار العزم وحلفاؤه بـ39586 صوتًا، فالكتائب وحلفاؤه بـ34147 صوتًا، والمردة بـ31206 صوتًا.

الاعتماد على الحلفاء
تشكل هذه الأرقام إحدى الأسباب المهمة التي توجب عدم الاتكال على الأصوات التفضيلية لمعرفة التمثيل الحقيقي للأحزاب بلا تحالفاتها. فالأحزاب تجير لصالحها أصوات حلفائها لنجاح مرشحيها. فقد رشح التيار العوني في الانتخابات الماضية 29 مرشحًا حزبيًا، فاز منهم 18، أما من حلفائه ففاز 6 من أصل 31 مرشحًا. أما حركة أمل فرشحت 17 فازوا جميعهم، وخسر حزب الله مرشحًا واحدًا وهو حسين زعيتر في دائرة جبيل-كسروان، رغم نيله أكثر من 9000 صوت، إلا أن اللائحة لم تنل حاصلًا ليحصد الراحل مصطفى الحسيني المقعد بنيله 256 صوتًا فقط.

إذًا، لا يمكن الاتكال على الاصوات التفضيلية فقط، ولا يمكن نفي أهميتها في إبراز مكامن القوة الشعبية لطرف معين. وفي ظل هذا القانون المعقد الذي لا يعطي كل ذي حق حقه، يجب حصد أكبر حصة من المقاعد النيابية، بدلًا من حصد أكبر حصة من الأصوات التفضيلية الحزبية البحتة.

وإذا انتقلنا إلى 2022، في ظل المتغيرات التي حصلت في لبنان والإقليم، وخصوصًا بغياب تيار المستقبل عن المعترك الانتخابي، تحاول الأحزاب دعم تحالفاتها أكثر من تركيزها على جني أصوات تفضيلية لمحازبيها. وهذا ما تجلى واضحًا من خلال اللقاءات التي عقدها أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، بين حلفائه المتخاصمين (سليمان فرنجية وجبران باسيل) من جهة، والتقارب الذي ساهم فيه حزب الله بين أمل والتيار العوني من جهة أخرى، وصولًا إلى تحالفهما في بعض الدوائر، رغم حفلة الشتائم بين الطرفين خلال السنوات الماضية. وهذه الأمور لها دلالة واضحة على إصرار حزب الله إبقاء الأغلبية النيابية مع فريقه السياسي، من دون التطلع إلى حجم الأصوات الخاصة به. فهو يدعم التيار العوني بعد التراجع الكبير الذي أصابه على الساحة المسيحية.

دولارات حزب الله
ورغم أن الأحداث قد تبدل التوقعات في استحقاق نيابي، فإن أغلب المؤشرات تدل على حصول حزب الله مرة أخرى على الحاصل التفضيلي الأكبر، لأنه ومحازبيه الأقل تضررًا جراء الأزمة الاقتصادية التي عصفت بلبنان.

فحزب الله استفاد من فرق صرف العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي، بل استغل هذا الفرق في استقطاب عناصر جديدة. أما في صفوف الأحزاب الأخرى، فيلف الغموض الحواصل التي قد تحرزها حركة أمل التي تضرر أنصارها كثيرًا نتيجة الأوضاع التي عرفها لبنان بعد 17 تشرين 2019. ولكن في ظل الثنائية القائمة مع حزب الله، فان المقاعد الشيعية شبه محسومة، رغم احتمال خرقها في دائرة أو اثنتين، إذا انخفض حاصلها الانتخابي، خصوصًا في دائرتي بعلبك- الهرمل والنبطية.

السنة والدروز والمسيحيون
على الساحة السنية يتسيد الغموض الموقف بعد اعتكاف الطرف السني الأبرز المتمثل بالرئيس سعد الحريري وتياره السياسي. لذا تنقسم الأصوات بين لوائح متعددة، منها المدعوم من الرئيس فؤاد السنيورة، وأخرى من جمعية المشاريع، وثالثة من رئيس نادي الأنصار نبيل بدر، إضافةً إلى شخصيات بيروتية معروفة على الساحة السنية.

عند الدروز يبدو أن الصراع محتدم بين دعم مطلق من قبل الثنائي الشيعي لارسلان، وخوض الاشتراكي المعركة كتفًا إلى كتف مع القوات اللبنانية. وهنا قد يجيّر الطرفان أصواتهما التفضيلية لبعضهم البعض عند اقتضاء الحاجة.

أما على الساحة المسيحية فالمعركة التفضيلية بارزة بين من يريد إثبات أنه أصبح الطرف الأول: القوات اللبنانية تريد إثبات تراجع شعبية التيار العوني.

وتبقى المعركة الأبرز بين قطب يقوده الثنائي الشيعي، وقطب يقوده القوات والاشتراكي، وغلبة الأصوات التفضيلية للبعض قد لا تعني غلبة في المقاعد النيابية.



المدن