غسان الحجار - النهار

الزفت الانتخابي… والانتخابات الزفت – غسان حجار – النهار

اللبنانيون تجار منذ القِدم. منذ زمن الفينيقيين. ولا عيب في ذلك، إذ إن التجارة شطارة، وتتطلب ذكاء ودراية ووعياً وإدراكاً وحسن علاقة، أي أن للتجارة أدبيات معيّنة. لكن الشطارة اللبنانية بلغت حدّ التجارة بالوطن على حقبات عدة تتكرر كل عقدين أو أكثر من الزمن. فقد باع لبنانيون وطنهم من الفلسطينيين، والسوريين، والإسرائيليين، والإيرانيين، والأميركيين، والفرنسيين، والمصريين، والخليجيين. وهم يبيعون أصواتهم في كل استحقاق انتخابي، سواء لقاء واجب تهنئة أو عزاء، أو مقابل خدمة لأحد أفراد العائلة، أو بدل مبلغ مالي أو “بون” بنزين أو بطاقة تشريج للهاتف الخليوي، أو، وخصوصاً، لقاء الزفت الانتخابي. نعم، كان الزفت الأسود هو المادة الأكثر إغراء قبل الانتخابات، وقبل الانهيار المالي كان الزفت الرشوة الفضلى لكثيرين، إذ “يمر” أمام منازلهم، ويدخل الى بعض المداخل والأملاك الخاصة، وإن على حساب سماكة الزفت المخصص للشوارع الرئيسية.

وكان الأمر يثير السخرية لدينا، بل الشعور بالذل، بأن النواب الذين يريدون تجديد البيعة لهم، لا يجدون إغراء أكثر من الزفت، لأن وصف الزفت في تقاليدنا، يعني أنه الأسوأ، والأكثر سواداً، والمظلم.




ولا نزال نردد الوصف “خطاب زفت، خدمة زفت، انترنت زفت…” حتى سئم الزفت من “شرشحتنا” له، فقرر الاعتكاف عن خدمتنا، والاحتجاب عن عيوننا. ترانا اليوم نتشوق الى الزفت، ونسأل الدولة العليّة أن تغرينا ببعض منه ونحن نسلك طريق ضهر البيدر وأيضاً طريق البقاع الغربي، التي لم تعد حُفراً في طريق، بل صارت آثار طريق بين الحُفر، أي أن الحفر والالتواءات والنتوءات والانهيارات هي الأصل، ولون الزفت هو الاستثناء.

وعلى هذه الطرق، يعبر النواب، والمرشحون الجدد، ولا يعيرون الموضوع اهتماماً الا في كلمات لا تبلغ اكثر من مسامع جمع مستقبليه، إن حضروا، أو في تصريح اعلامي لرفع العتب.

يدرك اللبنانيون، أو أكثرهم، أن الانتخابات المقبلة “زفت” بنتائجها، الديموقراطية طبعاً، لأنها نتاج الحاجة المتفاقمة لدى كثيرين، ولأنها حصيلة اليأس والإحباط لدى آخرين، ممن صاروا مستعدين لبيع أصواتهم بالمال أو بالخدمات، طالما أن شيئاً إيجابياً لا يتحقق، وان ودائعهم سُرقت ونُهبت، وصودرت مدخراتهم وتعويضاتهم، ومعها كراماتهم، من دون أن يتحمل أحد في الدولة المسؤولية عما آلت إليه أمورهم ويحاسَب، أو يحاكَم على الأقل، الى حين إظهار براءته.

الخوف من أن الاحباط الذي أصاب اللبنانيين، سيدفعهم الى طلب المال “الفريش” أكثر، وهم متأكدون أنهم سيحصلون عليه، من مرشحين، مجهولة مصادر أموالهم، إذ إن تاريخهم العملي أو الصناعي أو السياسي أو المصرفي أو الوطني… لا يبرر كل هذا المال المسفوك في الانتخابات من دون هدف واضح، ومن دون رادع، علماً أن مظاهر الغنى ظهرت على بعضهم بعد تولّيهم المسؤولية العامة، لكن لا قدرة قانونية على ملاحقتهم في ظل حصانات مشبوهة، وفي ظل غياب رأي عام حقيقي يحاسب، على الأقل، في صناديق الاقتراع.

المال “الفريش” جاهز، حتى لا نقول فقط “الدولار” فنؤذي مسامع قوى “ممانعة” تجعله رديفاً لقوى الاستعمار والامبريالية، لكنها تجهد لتحصيله. والمستعدون لتقبّل الرشى أكثر من أن يُعدّوا، والأغنياء، وخصوصاً الأغنياء الجدد، وبعض قوى الأمر الواقع، جاهزون لشراء الأصوات. وهذه العملية “التبادلية” تؤكد أن الاستحقاق المقبل سيشتري أيضاً وأيضاً ذمم الفقراء، أو الأكثر حاجة، وسيعبّد طريق الاغنياء لبلوغ المجلس، لكن الطريق الحقيقية ستظل من دون زفت، ليكتشف اللبنانيون لاحقاً أن الاستحقاق “زفت”، ونتائجه “زفت”، وأنهم مشتاقون الى الزفت الحقيقي.