أسعد بشارة

التقريع البطريركي المهذّب – أسعد بشارة – نداء الوطن

لم تكن تنقص عظة البطريرك بشارة الراعي، ورسالته الفصحية، الا أن تقفز الى تسمية الأسماء والأفعال التي ارتكبت، لكنها اكتفت بالتوصيف الجارح الذي، بدا من على مذبح الكنيسة كأنه يوجه الإصبع الى من يتحمّل المسؤولية. في صراحة التوصيف تقريع وتحميل للمسؤولية، فليس هناك من معنى للتمسك بالعلاقات اللبنانية ـ العربية، إلا ويقود الى تسمية «حزب الله» وحلفائه الحاضرين في كنيسة الصرح والغائبين عنها.

كما ليس من معنى للمطالبة بتوحيد السلاح تحت عباءة الشرعية، الا اذا اقترن بمن يملك السلاح ومن يستعمله في الداخل اللبناني وفي اليمن والعراق وسوريا، مطيحاً بالحد الأدنى من سيادة الدولة ومحوّلاً اياها حطاماً، بمساعدة انتهازية، ممن هم داخل كنيسة الصرح ومن هم خارجها.




وليس هناك من معنى أيضاً لكلام البطريرك الراعي عن محاولة لتغيير هوية لبنان الاقتصادية، الا اذا حضرت مواقف «حزب الله» الذي حول نفسه في الفترة الأخيرة منظّراً للتحوّل الى الشرق، اي الى ايديولوجيا اعتبار كل ما يصدر عن الغرب والعالم العربي هو شر مطلق، حتى ولو كان هذا الغرب هو مصدر ومحرك الاقتصاد العالمي الذي لا يعتبر الانفصال عنه الا حصاراً ذاتياً مدمراً. طبعاً هذا الكلام أيضاً موجه لمن كانوا في الصرح البطريركي، باعتبارهم يتبعون الحزب، بوعد ان يفي بوعده في تشرين.

ليس هناك من معنى لعظة بكركي التي حثت الناخبين على التحلي بالمسؤولية لإحداث التغيير، الا لعدم التجديد للمنظومة الحاكمة التي يديرها «حزب الله»، ويعتبر من حضروا قداس الفصح جزءاً لا يتجزأ منها، ولقد ذكّر البطريرك الراعي بصوته العالي بسلفه البطريرك صفير الذي قال ما قاله قبل يومين من انتخابات العام 2009 محذّراً من سيطرة إيران على الأكثرية النيابية.

أيضاً وأخيراً، ليس هناك من معنى لتذكير البطريرك الراعي من هم داخل الكنيسة بأن زيارة البابا ستكون بمثابة جسر، لتأكيد حصول الانتخابات الرئاسية، وللتسلم والتسليم بين «عهدتكم وعهدكم»، هذا الكلام الواضح سبق للرئيس العاشق لبعبدا أن سمعه في الفاتيكان، حيث أكدت أنه لن يكون هناك أي عذر مقبول للتلاعب بموعد إجراء الانتخابات الرئاسية، لا تمديداً ولا توريثاً ولا فوضى مفتعلة تقضي على ما تبقى من دور وهيبة وقيمة لموقع الرئاسة.

بدا التقريع البطريركي مهذباً الى درجة لم يفقد فيها لا معناه ولا مضمونه ولا وضوحه. فالبطريرك الراعي الذي يتعرض بشكل مبرمج لحملات تحريض ليس بعيداً عنها بعض المرتادين الى الصرح، بدا سائراً وفق خريطة طريق هادفة، عنوانها مغادرة التحفظ، امام هول الانهيار والاخطار الكيانية. من يراقب مسار الكنيسة يدرك أنها انتهجت خطاباً بدا للوهلة اضطرارياً بعد فرص وفرص كثيرة أعطيت للعهد كلها اتت بنتائج عكسية. من مواكب للعهد وحاضن له طوال السنوات الماضية، انتقل البطريرك الراعي الى رفع الصوت، وهذه مفارقة يمكن من خلالها قياس حجم الاخفاق وخيبات الأمل.

بعد التقريع المهذب، لم يكن مفاجئاً أن يقول رئيس الجمهورية في كلمة معدة مسبقاً: «ما خلوني». كان الموقف تتويجاً لست سنوات خاوية الا من رمي المسؤولية على الغير، حتى تلك الناتجة عن تفاهم مار مخايل الذي وعد اللبنانيين ببشرى الرئيس القوي. أن يقول عون أن من عطل التحقيق في قضية المرفأ معلوم، وأن من عطل مجلس الوزراء معلوم، دون أن يعلم اللبنانيين بهوية هذا المجهول الذي تجاوز الرئيس القوي، وحوّله رئيس أوهام القوة، فهو لا يمكن تصنيفه الا في خانة استدراج العطف الانتخابي على أدراج الصرح البطريركي، وإرسال رسائل استدراج رئاسية في خدمة التوريث، الذي سنشهد بداية فصوله الجدية بعد 15 أيار.