بعبدا: ثقة حزب الله تهتز.. ومفاجآت تنتظر باسيل

ربما بدأ حزب الله يدرك أن الثقة الزائدة التي أشاعها سابقاً عن اكتساحه غالبية مقاعد البرلمان بات مشكوك فيها. فقد تعامل الحزب مع الاستحقاق كأنه استفتاء على خياراته من دون وضع في الحسبان ما أصاب البلد في السنتين السابقتين، وإمكانية ترجمة اللبنانيين غضبهم في صناديق الاقتراع أو في الانكفاء عن المشاركة.
الثقة الزائدة
ثقة الحزب الزائدة بخياراته دفعته إلى عدم تبديل حتى وجوه نوابه، رغم الامتعاض الكبير في بيئته من غالبيتهم، وتكللت هذه الثقة بترشيح المصرفي “الشرس” مروان خير الدين في حاصبيا. وما عزز هذه الثقة عدم توحد قوى المعارضة بلوائح مشتركة في لبنان. لكنه اصطدم بتوحد المعارضة بلائحة قوية في الجنوب الثالثة وإمكانية استفادة اللوائح المعارضة في مناطق أخرى من الامتعاض الشيعي وتراجع نسب التصويت ولو قليلاً، وبطريقة لا تؤثر على فوز لوائحه. وظهر قلق الحزب في حملات التخوين التي ينشنها مناصروه ومعظم نوابه في خطاباتهم ضد المعارضين، وكانت نتيجتها الاعتداء على المشاركين في إطلاق لائحة معاً للتغيير في الصرفند. وظهر أيضاً في الحملة الأمنية التي جرت مؤخراً في الضاحية الجنوبية.

حملة أمنية انتخابية
ففي الضاحية الجنوبية، حيث أعاد حزب الله ترشيح النائب علي عمار (رغم الامتعاض الشيعي منه في بيئة الحزب)، باتت عصابات الجريمة المنظمة، التي ترعرعت في منطقة السيطرة الأمنية المطلقة لأجهزة الحزب الأمنية، تشكل خطراً على سكان الضاحية. وبقاء الأمور فالتة من عقالها من شأنه تراجع التصويت الشيعي للائحة الثنائي الشيعي. وكانت التقديرات أن نسبة تراجع التصويت الشيعي قد تصل إلى نحو 15 بالمئة، كما تقول مصادر مطلعة على مجريات الانتخابات في بعبدا، ليس بسبب أفاعيل هذه العصابات المنظمة، بل بسبب الخيارات السياسية المنتهجة والانهيار المالي في البلد.




ووفق المصادر، أتت الحملات الأمنية، التي قامت بها قوى الأمنية الشرعية، لطمأنة سكان الضاحية والاستفادة منها لتشجيع الناخبين على الاقتراع، بعدما ازدادت حملات التشليح والتشبيح والجريمة المنظمة، وبدأ سكان الضاحية يلقون اللوم على حزب الله. وقد كان الحزب يتجنب ملاحقة العصابات خوفاً على تحامل العشائر ضده ما يضعف التصويت للائحته. فسلم الأمر للدولة اللبنانية ليضرب عصفورين بحجر واحد.

لا حماسة للاقتراع
وتضيف المصادر أن سكان الضاحية غير متحمسين للاقتراع والمشاركة مثل السابق. وهذا يدركه حزب الله جيداً. ويدرك مدى الامتعاض من النائب علي عمار، لكنه مرتاح على وضعه طالما أن الناخب الشيعي من جمهور الثنائي يجيير الأصوات لنائب حركة أمل فادي علامة، وليس للوائح المعارضة. ورغم ذلك هناك تخوف من تفلت بعض الناخبين الشيعة للتصويت للمرشح للقيادي العوني السابق رمزي كنج، ابن الضاحية الجنوبية. والأخير وجه غير استفزازي وعائلة كنج (أكثر من ألف صوت) منقسمة بين من يصوت له، ومن ينتخب مرشح “أمل” فادي علامة.

القلق على الحليف العوني
لكن ما يزيد من قلق حزب الله في بعبدا أن التيار العوني يعاني من تراجع كبير في شعبيته، هذا رغم أن مرشحه آلان عون يحافظ على رصيده الشخصي لا الحزبي بين الناخبين. فحزب الله لا يستطيع أن يشكل له رافعة شيعية كي يحافظ على مقعدين مارونيين. فالتراجع بشعبية التيار، والخوف من معاقبة العونيين تيارهم ورئيسه جبران باسيل، دفع الأخير إلى خوض معركة بعبدا بمرشح وحيد هو آلان عون لصب كل الأصوات التفضيلية عليه. واستبعد النائب حكمت ديب من المعركة كي لا تتوزع الأصوات التفضيلية عليه وعلى عون.

استسهال استبعاد ديب
لكن استبعاد باسيل لديب، ظناً أنه الأضعف وتأثيره ضعيف على الناخبين، وخصوصاً في منطقة الحدث، رهن ما ستفرزه نتائج صناديق الاقتراع. فباسيل استسهل استبعاد ديب، الأمر الذي لم يفعله في جزين مبقياً على المرشحين أمل أبو زيد وزياد أسود وفي المتن إبراهيم كنعان وادي المعلوف وفي جبيل سيمون أبي رميا ووليد الخوري.

لكن وضع “التيار” في بعبدا سيحمل مفاجأة لباسيل كما يبدو من اللقاءات التي يعقدها عون في القرى. إذ يوجد صراع داخل البيت الواحد بين الأب الذي يريد الاقتراع لآلان عون وبين الأولاد الذين يريدون الاقتراع لنعيم عون. وستكون النتائج مفاجئة لباسيل ورهاناته، كما تقول مصادر مطلعة في الماكينة الانتخابية للائحة “بعبدا تنتفض”، التي تضم القياديين العونيين السابقين رمزي كنج ونعيم عون والطبيب جان ابي يونس والمرشح المستقل العميد المتقاعد خليل حلو، المدعوم من حزب الكتائب اللبنانية.

مراهقة المجموعات اليسارية
لم تقرأ مجموعات المعارضة، وخصوصاً اليسارية منها التبدلات الحاصلة في الشارع المسيحي والامتعاض الشيعي، والذي كان من شأنه الخرق في بعبدا بمقعدين، فيما لو توحدت المعارضة بلائحة واحدة. ليس هذا وحسب بل إن بعض الشخصيات المرشحة تنتهج العقلية ذاتها التي خاضت من خلالها انتخابات نقابة المحامين وأدت إلى خسارة المعارضة النقابة. فبعد افتعال البعض “عقدة الكتائب” وعدم التحالف معه على اعتبار أنه جزء من المنظومة، عاد هذا البعض نفسه ليتفاوض مع الكتائب لدعمه مشترطاً عدم ترشيح حزبيين. وعندما تنازل الكتائب ولم يرشح حزبياً لصالح خوض المعارضة معركة جدية بلائحة واحدة، كانت النتيجة أن القاعدة الكتائبية انتفضت ضد المحامي واصف الحركة، الذي لم يوفر منبراً للتصويب على الكتائب. ورفضت القاعدة الحزبية حتى دعم المرشح ميشال حلو (الكتلة الوطنية) طالما أنه ترشح على لائحة معظم مجموعاتها يسارية وترفض الكتائب وتعتبر أنه حزب منظومة مثل باقي أحزاب السلطة.

هذه المراهقة السياسية أدت إلى خسارة هذه المجموعات الشبابية مكونات أساسية في بعبدا مثل الكتائب والشارع العوني الممتعض من باسيل وتياره. إذ بات هذا الشارع يرى أن “التيار” يدعي الإصلاح والتغيير ويحاول استقطاب الجمهور بشعار “ما خلونا” ليعود ويتحالف مع الجهات عينها “لي ما خلتهم يشتغلوا”.



المدن