ماذا تعني “مؤامرة” التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى الذي يسعى بينيت لتنفيذه؟

يبدو أن وتيرة اقتحام المستوطنين المتطرفين للمسجد الأقصى في حماية شرطة الاحتلال الإسرائيلي خلال شهر رمضان تأتي في سياق مخطط لفرض التقسيم الزماني والمكاني الذي يسعى نفتالي بينيت لتنفيذه.

شهدت ساحات المسجد الأقصى صباح الأحد 17 أبريل/نيسان اقتحامات جديدة من جانب المستوطنين اليهود في حماية الشرطة الإسرائيلية، التي قامت بإخلاء المسجد بشكل كامل من المصلين الفلسطينيين قبيل وصول المستوطنين.




وتمت الاقتحامات على شكل مجموعات، ضمت كل مجموعة عشرات المستوطنين، بحراسة عناصر من الشرطة الإسرائيلية، واستمر الاقتحام نحو ثلاث ساعات ونصف، قبل أن ينسحب المستوطنون، وقوات الشرطة من المسجد.

وقبيل اقتحام المستوطنين، أجبرت الشرطة المصلين المسلمين على إخلاء المسجد بشكل كامل، حيث اعتدى عناصرها بالضرب على عدد منهم، مستخدمين الهراوات، واعتقلوا أحدهم، بحسب تقرير لوكالة الأناضول.

التصعيد تزامناً مع “عيد الفصح”

يقتحم المستوطنون ساحات المسجد الأقصى تحت حراسة شرطة الاحتلال طوال أيام الأسبوع، عدا يومي الجمعة والسبت، على فترتين، صباحية ومسائية. لكن اقتحام الأحد، يكتسب حساسية خاصة، نظراً لتزامنه مع عيد الفصح اليهودي (بدأ مساء الجمعة الماضي، ويستمر أسبوعاً). ودعت جماعات استيطانية إلى تكثيف الاقتحامات خلال فترة عيد الفصح.

وتزامناً مع اقتحام المستوطنين، اندلعت مواجهات بين الشرطة، وشبان مقدسيين، في منطقة باب الأسباط، بالبلدة القديمة، المؤدية للمسجد الأقصى، ما أدى إلى إصابة 17 فلسطينياً.

جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أعلنت في تصريح مكتوب أرسلت نسخة منه لوكالة الأناضول أن طواقمها “تعاملت مع 17 إصابة، في محيط المسجد الأقصى، وتم نقل 5 إصابات منها للمستشفى لتلقي العلاج.

وأظهرت لقطات فيديو من داخل المسجد الأقصى تعرض عدد من الشباب للضرب بالهراوات واعتقال شخص واحد على الأقل، بحسب رويترز.

وقال أوفير جندلمان، المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي، على تويتر: “خلال ساعات الصباح الباكر قبل أن تبدأ الزيارات إلى جبل الهيكل/الحرم القدسي الشريف التي تقام أسبوعياً وفقاً للمعتاد منذ سنوات عديدة بدأ مشاغبون فلسطينيون في جمع الحجارة في ساحة الحرم القدسي لمحاولة القيام بأعمال شغب. الشرطة تعمل على تفريقهم”.

من جانبها، قالت شرطة الاحتلال الإسرائيلي في تصريح مكتوب حول اقتحامها للمسجد، أرسلت نسخة منه لوكالة الأناضول: “في ساعات الصباح الباكر، قبل أن تبدأ الزيارات إلى الحرم القدسي الشريف بشكل أسبوعي (اقتحامات المستوطنين).. بدأ مئات الشباب، بعضهم ملثمين، في جمع الحجارة وتخزينها”.

وأضافت: “تعمل قوات الشرطة في الموقع على إزالتها، للسماح بزيارات الموقع كالمعتاد”، في إشارة لاقتحامات المستوطنين. وكانت الشرطة الإسرائيلية قد فرضت قيوداً، على دخول المصلين لأداء صلاة الفجر، إلى المسجد.

وقال شهود العيان إن الشرطة فرضت على المصلين إبقاء بطاقاتهم الشخصية، عند بوابات المسجد حتى انتهاء الصلاة. وفي وقت سابق، من صباح الأحد، قالت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني إن طواقمها قدمت العلاج لفلسطينيَين، أُصيب أحدهما برصاصة مطاطية، والآخر أُصيب جراء تعرضه للضرب، على يد الشرطة الإسرائيلية، في باب الأسباط، أحد أبواب المسجد الأقصى.

هل تشعل تصريحات بينيت النيران هذه المرة أيضاً؟

تسريع الاحتلال الإسرائيلي من وتيرة التغول على المسجد الأقصى بالتحديد يهدد بإشعال الأمور مرة أخرى، كما حدث في شهر رمضان الماضي وصولاً إلى حرب مفتوحة بين حركات المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي استمرت 11 يوماً واضطرت حكومة رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو لقبول وقف إطلاق النار بوساطة مصرية بعد أن حققت المقاومة انتصاراً واضحاً في المواجهة التي كان نتنياهو نفسه قد تسبب في إشعالها على أمل التشبث بمنصبه.

وفي هذا السياق، أثارت تصريحات لرئيس الوزراء نفتالي بينيت اليوم الأحد في إثارة ردود فعل فلسطينية من رئاسة السلطة والفصائل، واصفة تصريحات رئيس الوزراء اليميني بأنها “مؤامرة لتهويد الأقصى”.

نبيل أبو ردينة، المتحدث باسم رئاسة السلطة الفلسطينية، قال في بيان إن تصريحات بينيت حول أحقية أي شخص في الدخول للمسجد الأقصى والصلاة فيه مرفوضة تماماً، وهي محاولة لتشريع التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى المبارك.

وحذر أبو ردينة من خطورة ما أقدمت عليه سلطات الاحتلال الإسرائيلي في المسجد الأقصى الأحد، وقال إن ما جرى في المسجد هو محاولة مرفوضة لتشريع ما يسمى التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى.

وأكد أن الفلسطينيين لن يقبلوا، مهما كان الثمن، بهذا التقسيم الزماني والمكاني، وأن المسجد -كما قررت الشرعية الدولية بما فيها القرارات الأخيرة لليونسكو- هو مسجد للمسلمين، مشدداً على أن ما جرى في المسجد الأقصى تصعيد خطير تتحمّل الحكومة الإسرائيلية وحدها تداعياته.

“نطالب شعبنا الفلسطيني بشد الرحال للأقصى، للدفاع عنه، والتصدي لهذا التصعيد الإسرائيلي الخطير”. وأضاف في بيانه: “نحمّل الحكومة الإسرائيلية مسؤولية هذا التصعيد، ونطالب الإدارة الأمريكية بالخروج عن صمتها ووقف هذا العدوان الذي سيشعل المنطقة بأسرها”.

وتابع قائلاً إن “شعبنا الفلسطيني لن يسمح بتمرير هذه المؤامرة مهما كان الثمن ومهما كانت التضحيات”.

ومن جانبها، قالت حركة المقاومة الإسلامية حماس في بيان: “المسجد الأقصى خط أحمر والاحتلال يتحمّل مسؤولية اعتدائه على المصلين والسماح للمستوطنين بتدنيس باحاته”.

“نحمّل في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الاحتلال مسؤولية اعتدائه على المعتكفين والمصلين داخل المسجد الأقصى المبارك فجر اليوم الأحد، كما نحمّله تداعيات السماح للمستوطنين باقتحام وتدنيس باحات الأقصى، وهو الذي يشكل استفزازاً لمشاعر الشعب الفلسطيني والعرب والمسلمين كافة”.

ونددت وزارة الخارجية الفلسطينية باقتحام الشرطة الإسرائيلية للمسجد الأقصى، والاعتداء على المصلين، وقالت في بيان: “ندين بأشد العبارات الاعتداء الوحشي الذي ارتكبته قوات الاحتلال وشرطته وأجهزته المختلفة ضد المسجد الأقصى المبارك، والمصلين، والمعتكفين فيه”.

“ننظر بخطورة بالغة لاستمرار هذه الاعتداءات، ونعتبرها محاولة إسرائيلية رسمية لتثبيت التقسيم الزماني للمسجد على طريق تقسيمه مكانياً”.

بدورها، حمّلت حركة الجهاد الإسلامي، إسرائيل، المسؤوليةَ ما يحدث في المسجد الأقصى. وقالت في بيان وصل وكالة الأناضول: “لن نتخلى عن واجباتنا لحماية الأقصى، والاحتلال يتحمل مسؤولية كل هذا العدوان والإرهاب الذي يمارسه”.

“تجدد الاقتحامات والاعتداءات على الأقصى، تكشف النوايا الحقيقية للاحتلال الذي يمارس التضليل والخداع لتمرير مخططات الإرهاب اليهودي، هذه الانتهاكات والاعتداءات الخطيرة تدفع نحو المواجهة الشاملة”.

هل تخرج الأمور عن السيطرة؟

التصعيد الإسرائيلي في القدس الشرقية المحتلة عموماً والمسجد الأقصى خصوصاً يأتي مع بعد عام من أحداث القدس التي أدت إلى اندلاع الحرب في غزة العام الماضي، وتثير اعتداءات الاحتلال في شهر رمضان المبارك مخاوف من تجدد الصراع.

وكان 152 فلسطينياً على الأقل قد أصيبوا عندما اقتحمت شرطة الاحتلال الحرم الشريف الجمعة لتفريق الفلسطينيين الذين رشقوهم بالمفرقعات وألقوا الحجارة على الجنود وفي اتجاه الحائط الغربي.

ويقع مجمع الأقصى أعلى مرتَفَع البلدة القديمة بالقدس الشرقية التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967 وضمتها فيما بعد، وتعد المنطقة التي تعرف عند اليهود باسم جبل المعبد أشد المواقع حساسية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني المستمر منذ عقود.

وقال الخبير الفلسطيني في استطلاعات الرأي خليل الشقاقي، مدير المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية: “ربما تكون القدس هي أولى القضايا التي تملك مقومات إثارة عنف على نطاق واسع.. لقد رأينا هذا في الماضي”.

وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد كرر، الخميس، تصريحات مشابهة لبينيت، وقال: “لا قيود على استخدام القوة”، وأضاف أن إسرائيل ستسمح للفلسطينيين الذين “يحافظون على الهدوء” بالعمل والاحتفال برمضان دون أي عراقيل.

وقال الشقاقي لرويترز إن إجراءات التخفيف هدأت فيما يبدو من بعض الإحباطات التي يشعر بها الفلسطينيون، حتى اشتباكات الجمعة في الأقصى. لكنه أضاف أن التنازلات الحالية لا تعوّض تصاعد الغضب وتراكم المظالم بسبب الاحتلال الإسرائيلي منذ 55 عاماً واستيلاء إسرائيل على الأراضي التي يريدونها لإقامة دولتهم.

ووفقاً لـ”بتسليم”، وهي جماعة إسرائيلية معنية بحقوق الإنسان، فقد شهد عام 2021 أعلى معدل من عمليات هدم المنازل الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية منذ 2016.

وقال إيتاي إبشتاين، وهو مستشار في القانون الإنساني والسياسات، نقلاً عن بيانات كشفت عنها وزارة الدفاع الإسرائيلية، إن إسرائيل لم تمنح على مدى السنوات الخمس الماضية للفلسطينيين سوى 33 تصريحاً بالبناء فحسب، بينما منحت المستوطنين اليهود أكثر من 16500 تصريح بناء في 60% من الضفة الغربية المحتلة والتي تسيطر عليها إسرائيل بشكل مباشر.

وقالت ديانا بوتو، وهي مستشارة قانونية سابقة لمنظمة التحرير الفلسطينية: “البنية القائمة بأكملها، بنية الاحتلال، عنيفة.. لقد مرت عقود على ذلك، عقود من العنف اليومي، وسينقلب الأمر في نهاية المطاف ليرتد عنفاً على إسرائيل”.

ووصف رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية أعمال الشرطة الإسرائيلية في الأقصى بأنها “اعتداء وحشي” و”تدنيس القبلة الأولى للمسلمين” و”نذير خطير.. لا سيما خلال ليالي الشهر المبارك”.

وفي تجمّع حاشد في غزة، قال متحدث باسم حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، التي تحكم القطاع، إن استخدام إسرائيل للقوة لن يمر دون رد. وأضاف المتحدث فوزي برهوم: “سنرسخ مجدداً مسار الدفاع عن القدس وسندشن عنواناً للمرحلة المقبلة أن السلاح سيقابل بسلاح، والقوة ليس لها علاج إلا بالقوة، وسندافع عن القدس والأقصى بكل قوة”.

وقال بينيت إن السلطات تعمل على استعادة الهدوء في القدس وفي أنحاء إسرائيل، لكنها مستعدة تحسباً لتدهور الموقف، وأضاف في بيان: “نستعد لأي سيناريو وقوات الأمن جاهزة لأي مهمة”.

وفي الأسبوع الماضي، أطلق فلسطيني من مخيم جنين بالضفة الغربية المحتلة النار وقتل ثلاثة إسرائيليين وأصاب العديد في حانة في تل أبيب. وإطلاق النار كان أحدث واقعة في سلسلة من الهجمات الفلسطينية في مدن إسرائيلية قتلت 14 شخصاً، ووصف بينيت الهجمات بأنها “موجة جديدة من الإرهاب”.

وقتل الجيش الإسرائيلي 40 فلسطينياً هذا العام في دائرة من أعمال العنف التي قالت عنها داليا شيندلين، المحللة السياسية والخبيرة في الرأي العام الإسرائيلي، إنها قد تعود لأوائل فبراير/شباط عندما قتلت القوات الإسرائيلية ثلاثة نشطاء فلسطينيين في الخليل. ووصفت الخارجية الفلسطينية عملية القتل تلك بأنها إعدام ميداني قبيح.