ثاني مساجد الأرض.. تاريخ الحرم الشريف ولماذا يسميه اليهود “جبل الهيكل”

في محاولة لتهويد الأرض وطمس الهوية، تستمر الاعتداءات الصهيونية على الحرم القدسي الشريف في فلسطين المحتلة منذ الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس في حرب الأيام الستة أو “النكسة” عام 1967.

وقد اتخذت هذه المحاولات مظاهر وأساليب متعددة تهدف في مجملها إلى تخريب هذا الأثر الإسلامي المقدس وإزالته بالكامل تمهيداً لإقامة “هيكل سليمان” المزعوم على أنقاضه.




لكن لليهود سبب آخر يدفعهم إلى تقديس المنطقة التي يقع فيها الحرم القدسي وهو اعتقادهم أن الهضبة التي يقع عليها هي في الحقيقة جبل “Mouria” أو “مريّا“، الذي صعد عليه سيدنا إبراهيم عندما أمره ربه بذبح ابنه. ولذلك يسمون منطقة الحرم باسم “جبل الهيكل”.

وعكس الاعتقاد الشائع الخاطئ، فإن الحرم الشريف ليس فقط المسجد الأقصى وقبة الصخرة؛ بل يشمل كثيراً من المباني والمعالم التي سنتحدث عنها بالتفصيل.

تعرفو معنا في هذا التقرير على الحرم الشريف الذي يسميه الإسرائيليون “جبل الهيكل” جغرافياً وتاريخياً.

المسجد الأقصى هو نفسه الحرم الشريف ولكنه “جبل الهيكل” عند اليهود

كان يطلق على كامل منطقة الحرم الشريف بكافة مبانيها منذ عهد الرسول محمد، عليه الصلاة والسلام، اسم المسجد الأقصى الذي تنزلت تسميته في القرآن  الكريم بالآية الأولى من سورة الإسراء.

“الأقصى” في اللغة العربية تعني “الأبعد”، وتعني تسميته المسجد الأبعد عن مكة المكرمة، وكلمة الأقصى في اللغة قد تأخذ معنى “المكانة” أيضاً، وبهذا يكون المسجد الأقصى هو المسجد صاحب المكانة المقدسة.

ويشمل المسجد الأقصى كلاً من قبة الصخرة المشرفة، وهي القُبَّة الذهبية الشهيرة الموجودة في وسطه. والجامع القِبْلِي، الذي يتميز بالقُبَّة الرصاصية السوداء، والواقع أقصى جنوبه ناحية القِبلة والكثير من الأماكن الأخرى من القبب والأروقة والأبواب التي سنتحدث عنها في الفقرة التالية بالتفصيل.

ظلّ المسجد الأقصى يُعرف بهذا الاسم حتى عصر الدولة المملوكية في مصر والشام؛ حين استعمل اسم “الحرم الشريف” ليدلَّ على كامل مساحة المسجد والمباني التي حوله، وبقي الاسم متداولاً حتى اليوم للدلالة على الحرم الكبير كاملاً بكل ما فيه.

لكن اليهود يزعمون أن موقع الحرم الشريف هو في الحقيقة جبل “موريا” أو “مريا” الذي صعد إليه النبي إبراهيم لذبح ابنه إسحاق (وفق المعتقد اليهودي)، ومحل وجود “هيكل سليمان” الذي يتوضع تحته والذي دُمّر نهائياً عام 70 للميلاد.

لذا يطلق اليهود على الحرم الشريف اسم “جبل الهيكل”، وهو الموقع الأكثر قدسيّةً بالنسبة لهم.

المسجد الأقصى في الحرم الشريف.. ثاني مساجد الأرض

يعتبر المسجد الأقصى ثاني مسجد في الأرض بعد المسجد الحرام، استناداً إلى حديث نبوي يقول إن الفرق بين بناء المسجد الحرام بمكة والمسجد الأقصى 40 عاماً.

لكن لا يُعرف بشكل دقيق متى بُنِيَ المسجد الأقصى، حيث اختلف المؤرخون المسلمون فيما بينهم على من وضع الحجر الأوّل لبناء المسجد الأقصى، فمنهم من قال إنه سام بن نوح، وآخرون ذهبوا إلى أن النبي إبراهيم هو من عمد إلى بناء المسجد الأقصى.

ورجّح الباحث الفلسطيني عبد الله معروف، أن آدم هو من بنى المسجد الأقصى البناء الأول، وأن إبراهيم وسليمان جدّدا ما أسسه آدم، بدون أن يكون قبلهما كنيس ولا كنيسة ولا هيكل ولا معبد.

يتألف الحرم الشريف من ثلاثة مستويات

يضم الحرم الشريف مستويات البناء الآتية:

  • المستوى الأرضي تحت سطح الحرم الشريف، ويضم آباراً وقنوات للمياه وبعض المباني المغلقة.

ويضم هذا المستوى المسجد المرواني ومُصلَّى البُراق ومصلى الأقصى القديم ومصلى باب الرحمة خلف باب التوبة، وباب الرحمة، والأبواب المغلقة: الباب المفرد، والباب المزدوج، والباب الثلاثي وباب البراق وباب السلسلة.

  • المستوى الأول ويضم المسجد الأقصى والساحة الرئيسية والبوابات المفتوحة والأروقة، ومجموعة كبيرة من المصاطب والآبار والأسبلة والأبنية.
  • المستوى العلوي الذي يرتفع عن سطح الأرض قليلاً ويضم قبة الصخرة وصحن قبة الصخرة والقِبَاب والأبنية والقناطر المحيطة بها.

الأبنية التي يضمها الحرم الشريف

وفقاً لدليل المسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف الصادر من دائرة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية بالقدس عام 2020، فإن الحرم الشريف هو ربوة مرتفعة منحرفة الأضلاع تقع في الجهة الجنوبية الشرقية لمدينة بيت المقدس (القدس) ويُشكِّل سُدسَ مساحتِها.

ويشمل الحرم جميع المساحة التي تحتضنها الأسوار الحجرية التاريخية من جهاته الأربع، بطول نحو 500م، ومعدَّل عرض 282م، أي بمساحة إجمالية تبلغ نحو 141 دونماً.

يضم الحرم كافة الساحات والمساجد والمصليات الواقعة فوق الأرض وتحت الأرض والمآذن والمصاطب والقباب والمدارس والأبنية والأروقة والمرافق والأبواب والأسوار المحيطة بالساحة المفتوحة للمسجد الأقصى من الجهات الأربع، والتي يقدر عددها بمئتي أثر معماري من حقب إسلامية مختلفة.

يحيط بالحرم من الجهة الجنوبية والشرقية جزء من السور القديم للمدينة القديمة، في حين تحيط به من الجهة الغربية والشمالية (جهة المدينة) أروقة يعود أغلبها إلى العصر المملوكي.

وإلى الغرب داخل الحرم تنتشر عدة مبانٍ، منها كلية الدعوة وأصول الدين، في حين يستعمل المبنى الواقع غربها متحفاً للفن الإسلامي تحفظ فيه اليوم بقايا منبر نور الدين محمود بن زنكي الذي أحرقه الصهيوني مايكل روهان داخل المسجد الأقصى عام 1969 والذي ادعى أنه مبعوث من الله وأنه تصرف وفقاً لأوامر إلهية لتدمير المسجد الأقصى؛ حتى يتمكن اليهود من إعادة بناء الهيكل كي يجيء المسيح الذي سيحكم العالم مدة 1000 عام.

قبة الصخرة تتوسّط الحرم

تحدث الدكتور خالد عزب في كتابه عمارة المسجد الأقصى المبارك، عن قبة الصخرة التي تقع في قلب الحرم القدسي الشريف ويحدها الجدار الشرقي للحرم وتشكل أعلى بقعة فيه.

وذكر أنها تعد أقدم معلم من معالم الحضارة الإسلامية، إذ أنشأها الخليفة عبد الملك بن مروان خلال عامي 691 و692م فوق صخرة المعراج المشرفة التي أسري بالنبي محمد إليها ثُمَّ عُرِجَ منها إلى السماء في ليلة الإسراء والمعراج.

ويؤلف حائط البراق جزءاً مهماً من الجدار الغربي للحرم، حيث ربط النبي دابة البراق حين دخل الحرم بعد أن أُسرِي به إليه، وهو الجزء الذي يدّعي الصهاينة أنه حائط المبكى المتبقي من هيكل سليمان.

وقفات تاريخية مر بها الحرم الشريف

عندما فتح عمر بن الخطاب القدس سنة 15هـ/636م، توجه إلى موقع الحرم الشريف حيث الصخرة المقدسة التي عرج منها بالرسول محمد، وأمر بتنظيفها وإقامة مسجد صغير بالقرب منها.

وساهم خلفاء الدولة الأموية من بعده في تشكيل الوجه الحضاري الإسلامي للحرم الشريف عبر تبنيهم مشروعاً كبيراً هدف إلى تعمير المنطقة بالكامل تعميراً يتناسب ومكانتها الدينية وعظمة الدولة ومكانتها السياسية.

وفي عهد عبد الملك بن مروان، بُنيت قبة الصخرة سنة 691 كما تنص الكتابة داخل القبة وقبة السلسلة، وابتدأ بناء المسجد الأقصى، إلا أنَّ الموت حال دون أن يتممه، فأكمله ابنه الوليد بن عبد الملك من بعده.

وأكمل المماليك عام 1260 ما بدأه الأمويون من إعمار الحرم، وأضافوا أروقة جديدة للحرم الشريف ومدارس ومآذن وأبواباً وقباباً وأسبلة ومصاطب، إضافة إلى عدد من المحاريب والمصليات.

الحرم القدسي الشريف \ شترستوك

محاولات إسرائيل هدم الحرم الشريف منذ حرب النكسة

بدأت المؤامرة الإسرائيلية التي تهدف إلى تخريب الحرم الشريف وإزالته تمهيداً لإقامة “هيكل سليمان” المزعوم على أنقاضه، منذ الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس في حرب عام 1967، بحسب موقع الموسوعة الفلسطينية، ولا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.

فقاموا بالحفريات حول الحرم الشريف وتحته، بهدف تخريبه وتصديع جدران.

كما تتالت منذ ذلك الوقت محاولات إحراق المسجد الأقصى في القدس أو نسفه وتفجيره من قبل عصابات يهودية مختلفة.

ولا تزال حتى يومنا هذا أعمال الحفريات حول وتحت الحرم الشريف قائمة، ولا تزال القوات الإسرائيلية تزيد تقييد دخول المصلين المسلمين إلى الحرم وتحاول ترهيبهم بكافة وسائل العنف؛ من إطلاق الرصاص الحي إلى الاعتداءات المتكررة على المصلين وزوار الحرم؛ في محاولة لإيقافهم عن التردد إليه، وتهويده وطمس هويته.