فارس خشان - الحرة

“فواتير” أوروبا والعالم إن انتصرت لوبان على ماكرون – فارس خشان – الحرة

لا تُثير السياسة الخارجية التي اعتمدها الرئيس ايمانويل ماكرون، منذ وصوله الى قصر الإليزيه، في مايو 2017، إعجاب دول كثيرة في العالم، إذ يؤخذ عليه “إفراطه” في “مسايرة” الأنظمة الديكتاتورية والمتسلّطة والمارقة.

وفي أوكرانيا، دخل، في الآونة الأخيرة، مصطلح جديد الى القاموس، يمكن ترجمته الى العربية بكلمة “المَكرُنَة”، إذ إنّ هذا المصطلح منبثق من اسم عائلة الرئيس الفرنسي، ويُعنى به:” شخص يُظهر نفسه قلقاً من وضع معيّن، لكنّه في المقابل لا يُقدِم على أيّ فعل حقيقي تصدّياً له”.




ولكنّ هذا الانطباع الدوليّ العام الذي ترجمه الأوكرانيون بتعبير ساخر، له خلفيات واضحة لم يُخفِها ماكرون، يوماً، فهو يريد أن تكون بلاده، بما تملك من تاريخ وقدرات وإمكانات ومواقع، قادرة على أن تلعب دور الوسيط الفاعل الذي يتواصل مع المختلفين ولكن من دون أن يتخلّى عن مبادئه وتحالفاته ومسؤولياته وتعهّداته.

ولعلّ إفراج وزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي، في الأيّام القليلة الماضية، عن المعلومات المتعلّقة بالمساعدات العسكرية التي ترسلها باريس إلى كييف، لا يخرج عن هذا السياق “التوضيحي”.

قبل خروج بارلي عن صمتها، كانت المساعدات العسكرية الفرنسية لأوكرانيا محاطة بسرية تامة، ولكنّ ابتداع الأوكرانيين مصطلح “المكرنة” اضطر حكومة ماكرون الى الإعلان عن أنّها سلّمت كييف أسلحة وذخائر دفاعية تصل قيمتها، حتى تاريخه، إلى مائة مليون أورو، تضاف الى المساعدات العسكرية الأوروبية التي عملت فرنسا، بصفتها الرئيسة الحالية للاتحاد الأوروبي، من أجل توفيرها بأكبر قدر ممكن من السخاء.

لم يكن ماكرون يرغب في الكشف عن ذلك، حتى يُبقي خطّه الهاتفي مفتوحاً مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، ولكنّ الهجوم الذي يتعرّض له من أوكرانيا وحليفتها الحدودية بولندا، في هذه الفترة التي يخوض فيها انتخابات صعبة تهدف الى تجديد ولايته، اضطرّته الى ذلك.

الإضطرار يعود الى رغبته في عدم تصويره كأنّه يعتمد سياسة أوروبية مماثلة لتلك التي يمكن أن تنتهجها منافسته مارين لوبان، المقرّبة من روسيا والتي تتقاسم والمجر “المبادئ المعادية لليبرالية” نفسها.

غالبية الفرنسيين يفهمون ما يقوم به رئيسهم، ولهذا فإنّ منافسيه الجديّين، وعلى الرغم من التهجّم على كل ما فعله في ولايته الأولى التي شارفت على النهاية، لم يُحيّدوا سياسات ماكرون الخارجية، فحسب، بل في كثير من الأحيان، خصوصاً متى اتصل الأمر بوجوب تحديد نظرتهم الى بوتين وإلى علاقات سابقة كانوا قد أقاموها معه، يسارعون الى الإحتماء وراء “سجل ماكرون”، أيضاً.

وهذا الإحتماء وراء “سجل ماكرون” تحترفه منافسته مارين لوبان التي يأخذ كثيرون عليها محاولاتها السابقة لإبراز علاقاتها السياسية “الحارة” مع بوتين، وحصولها على تسهيلات في المصارف الروسية حيث كانت قد حظيت بقرض بقيمة تسعة ملايين أورو، وكانت تسعى، قبل أن يبدأ الغزو الروسي لأوكرانيا، للاستحواذ على قرض سخيّ جديد.

ولم يبقَ الاهتمام بعلاقة لوبان ببوتين محصوراً بالحملات الانتخابية، ولم يسارع كبار المحللين الإستراتيجيين الى التدليل على مخاطره بالنسبة لأوروبا و”حلف شمال الأطلسي” فحسب، بل تعدّاه أيضاً الى اختراق مجموعة معادية للغزو الروسي لأوكرانيا، المؤتمر الصحافي المخصص لتوضيح نظرتها الى السياسة الخارجية الذي عقدته لوبان، يوم الأربعاء الأخير، حيث رفعت سيّدة لافتة على شكل قلب تحمل صورة تجمع بوتين ولوبان، الأمر الذي تصدّى له حرّاس المرشّحة الرئاسية، بطريقة عنفية، بحيث جرى “جرجرة” هذه السيّدة أرضاً إلى خارج القاعة.

هذا المشهد الذي أعقبه الكثير من الكلام عن علاقات لوبان الخارجية وعن نظرتها الحقيقية الى موقع فرنسا، انعكس سلباً على المرشّحة الرئاسية، وأعاد الى الأذهان انتماءها الى “اليمين المتطرّف”، بعدما حاولت، طيلة الحملة “تحسين” صورتها، مستفيدة من الراديكالية التي أطلّ بها المرشح إريك زيمور الذي أخرجته نتائج الدورة الانتخابية الأولى من السباق الرئاسي.

وعلى الرغم من إدخال تعديلات على برنامجها الخاص بالسياسة الخارجية، إلّا أنّ لوبان تظهر أنّها نسخة فرنسية عن رئيس الحكومة المجري فيكتور أوربان، فهي تريد أن تنسف المرتكزات التي يقوم عليها “الإتحاد الأوروبي”، وتعلن عداءها للتحالف القائم بين فرنسا وألمانيا، وتطمح الى عقد اتفاق بين روسيا و”حلف شمال الأطلسي” الذي تريد أن تُخرج بلادها من قيادته العسكرية الموحّدة.

وسياسة لوبان الخارجية، أثارت وتثير الكثير من المخاوف، ولعلّ أبرز من اختصرها هو رئيس الوزراء الإيطالي السابق أنريكو ليتا الذي قال:” في حال فازت مارين لوبان في الرابع والعشرين من أبريل، فعلى فلاديمير بوتين أن يجمّد دباباته، لأنّه يكون قد انتصر باقتحامه قلب أوروبا”.

من حيث المبدأ، ووفق المعطيات الراهنة، فإنّ لوبان، ولو بدت في موقع المنافس الجدّي لماكرون، إلّا أنّها، على الأرجح لن تتمكّن من الوصول الى قصر الإليزيه.

وهي، لو كانت السياسة الخارجية النقطة التي تتكئ عليها وليس السياسات الداخلية التي تدغدغ مشاعر الريفيين والفقراء والمهمّشين والمتطرّفين اليمينيين المعادين للمهاجرين وللمسلمين، لعجزت عن الوصول الى الدورة الثانية، لأنّ التطلّعات التي تطرحها يعاديها كثيرون في فرنسا قبل خارجها، خصوصاً بعدما تراكمت أخطاؤها التي تبيّن مدى ضحالة معلوماتها، في هذا المجال، وهي، في آخر إطلالاتها، على سبيل المثال لا الحصر، حين كانت تتحدّث عن أنّ معاداتها لارتداء الحجاب في الأماكن العامة لا يجعل منها معادية للمسلمين، إستعانت بالرئيس التونسي الراحل حبيب بورقيبة، ولكنّها نسبته الى الجزائر قائلة: الرئيس الجزائري بورقيبة كان قد منع ارتداء الحجاب في الجزائر”.

وفي مطلق الأحوال، فإنّ فرنسا، إذا بقي ماكرون في منصبه لن تخرج عن نهجها الحالي الذي وإن انتقده كثيرون، إلّا أنّه لا يشذ عن الخط البياني الذي تلتزم به الديموقراطيات الليبرالية في الغرب، ولكنّ فرنسا، في حال تمكّنت لوبان من الحلول مكان ماكرون، سوف تدخل في مشاكل بنيوية داخلية، وسوف تُدخل العالم الغربي عموماً والاتحاد الأوروبي خصوصاً في تحدّيات قد تكون، في بعض مفاصلها، وجودية.