د. فيصل القاسم - القدس العربي

خرافات عربية وإسلامية أسقطتها حرب أوكرانيا – د. فيصل القاسم – القدس العربي

تنتشر بين العرب والمسلمين في طول العالمين العربي والإسلامي بعض الخرافات السياسية والدينية والعقائدية التي يلوكها المحللون والسياسيون ورجال الدين وحتى رواد مواقع التواصل بأن ضباع العالم الكبار غالباً ما يستهدفون العرب والمسلمين دون غيرهم، وأن قتل العربي أو اضطهاده أسهل من شرب الماء، بينما تمتنع القوى الكبرى عادة عن إيقاع الأذى بالغربيين أو غيرهم.

لا شك أن كثيرين في العالمين العربي والإسلامي لديهم عقدة الاضطهاد، فهم دائماً يهاجمون القوى الكبرى بأنها تعاملهم معاملة دونية، ولا تكترث لقضاياهم لأسباب قومية أو دينية. وغالباً ما يستشهد هؤلاء بالمثل السوري أو الليبي أو اليمني أو الأفغاني، حيث ترك العالم شعوب سوريا والعراق واليمن وليبيا وأفغانستان وغيرها تعاني الخراب والدمار وتتعرض للتهجير والقتل بالملايين دون أن تجد لها بواكي أو عوناً من سادة العالم. لكن للأمانة فقد أثبت المثال الأوكراني العكس تماماً، فليس صحيحاً أبداً أن اللاعبين الكبار في هذا العالم يميزون بين عربي وغربي عندما يريدون تمرير مشاريعهم الكبرى. لا شك أن الأوروبيين مثلاً تعاطفوا مع الشعب الأوكراني ومدوا له يد العون ربما بشكل أفضل مما فعلوا مع لاجئي العالم الثالث الذين شردتهم الحروب، لكن في النهاية يجب ألا ننسى أن الأوكرانيين الأوروبيين أبناء عمومة الروس وجيران أوروبا الغربية يتعرضون الآن لما تعرضت له شعوب عربية وإسلامية كثيرة في سوريا والعراق وليبيا واليمن وأفغانستان وغيرها.




كيف يختلف الغزو الروسي لأوكرانيا عن الغزو الروسي لسوريا؟ هل يبدو بوتين أكثر رأفة بالأوكرانيين جيرانه وأقاربه أكثر مما أبدا مع السوريين مثلاً؟ لا أبداً، فقد حشدت موسكو أكثر من مائة ألف جندي وهو أكبر عدد من الجنود منذ الغزو الأمريكي للعراق لاجتياح جارتها المسيحية أوكرانيا. صحيح أن الرئيس الروسي ووزير دفاع تفاخرا بأنهما جربا أكثر من ثلاثمائة نوع جديد فتاك من السلاح في سوريا، وصحيح أن بوتين نفسه اعترف بأن جيشه استخدم الساحة السورية كحقل رماية وتجارب عسكرية، لكن ألا يفعل الشيء نفسه الآن في أوكرانيا؟ ألا يستخدم الأسلحة التي جربها على أشلاء السوريين الآن على أشلاء الأوكرانيين وهم أقرب له قومياً ودينياً من السوريين؟ ألم تشاهدوا أكوام الجثث في شوارع المدن الأوكرانية؟ ألا تذكرنا مشاهد القتل والدمار في مدينة بوتشا الأوكرانية بمشاهد مدينة حلب السورية؟ أليس هناك إجماع عالمي الآن على أن الروس ارتكبوا جرائم حرب من العيار الثقيل في أوكرانيا التي يدين لها الروس بإنشاء روسيا نفسها، أي أن أوكرانيا تاريخياً هي التي صنعت روسيا وليس العكس، مع ذلك انظروا ماذا فعل الجيش الروسي بأبناء جلدتهم الأوكرانيين؟ ماذا بقي من مدينة ماريوبول الأوكرانية؟ ألا تذكرنا مشاهدها بالمشاهد التي خلفها الروس وراءهم في سوريا؟ ألا يستخدم بوتين في أوكرانيا فخر صناعاته العسكرية التي ربما لم يستخدمها في سوريا نظراً لارتفاع أسعارها، فوفرها لتدمير المدن الأوكرانية وقتل وتهجير شعبها على مبدأ «الأقربون أولى بالمعروف»
ألم يصل عدد اللاجئين الأوكرانيين خلال أسابيع قليلة فقط إلى أكثر من ستة ملايين لاجئ وهو أكبر من عدد اللاجئين السوريين الذين تهجروا خلال أحد عشر عاماً والحبل على الجرار؟ ألا تذكرنا طوابير اللاجئين الأوكرانيين على الحدود الأوروبية بطوابير السوريين والعراقيين والأفغان؟

وهل ننسى من قبل أن بوتين فعل الشيء نفسه وأكثر في الشيشان إحدى جمهوريات روسيا الاتحادية؟ ألم يسوِ الجيش الروسي العاصمة غروزني بالأرض لتصبح مثلاً تاريخياً في حجم الدمار والخراب الذي مارسه الروس؟ قد يقول البعض إن الشيشان كانوا مسلمين، لهذا مارس الجيش الروسي أبشع أنواع الهمجية معهم، لكن هذا غير صحيح، فما نراه اليوم في بعض المدن الأوكرانية المسيحية لا يقل بشاعة عما فعله بوتين في الشيشان المسلمة. وخير دليل على ذلك مدينة ماريوبول التي اختفت عن وجه الأرض تقريباً، وانتشرت في أصقاعها المقابر الجماعية التي شاهدناها من قبل في العراق وسوريا.

وهل ننسى ما فعله الغرب أيضاً في يوغسلافيا السابقة، ليس فقط بحق المسلمين في البوسنة والهرسك بل بحق كل شعوب تلك الدولة التي تحولت إلى أشلاء؟ أليست شعوب يوغسلافيا مسيحية وأوروبية، فهل سلمت من الدمار الذي مارسه الأوروبيون بحق بعضهم البعض؟ هل تذكرون ما فعله الطيران الأمريكي في صربيا في تسعينيات القرن الماضي؟

لا شك أن البعض يتهم أمريكا والغرب بالتآمر على الشعوب العربية وتدمير أوطانها وتشريدها بالملايين لأنه لم ينحز إلى جانب الثورات الشعبية، ولأن الغرب وقف مع الطواغيت ضد الشعوب. وهذا صحيح، لكن لماذا تركت أمريكا وأوروبا ملايين الأوكرانيين ضحية للغزو الروسي كي يفعل بهم الأفاعيل؟ ماذا فعلت أمريكا لأوكرانيا سوى مدها ببعض المعونات العسكرية والمالية التي يسخر منها الرئيس الأوكراني قبل غيره؟ ألم تصبح بعض المدن الأوكرانية الآن نسخة عن بعض المدن السورية؟ هل يكفي أن يستقبل الأوروبيون اللاجئين الأوكرانيين؟ وماذا عن مصير أكبر بلد أوروبي ألا وهو أوكرانيا؟ ألا يواجه المجهول؟ ألا يرى الكثير من المحللين أن أمريكا تستخدم الأوكرانيين كوقود لحروبها الكبرى مع روسيا والصين؟ هل يختلف الأوكراني عن السوري أو العراقي في العقلية الأمريكية التي ترسم المشاريع والصراعات الكبرى، أم إن لا فرق بين الأوكراني وحتى الأوروبي وبين العربي والمسلم عندما يتعلق الأمر بتنفيذ المخططات الأمريكية والدولية الكبرى؟ ألا يتحدث البعض أيضاً عن مخطط أمريكي لاستنزاف أوروبا عسكرياً واقتصادياً من خلال اللعبة الأوكرانية؟ قارنوا بين خسائر أوروبا ومرابح أمريكا من الحرب الأوكرانية؟ ألا تنزف أوروبا مالياً واقتصادياً؟ ألم يوجه بعض الأوروبيين اتهامات صريحة لأمريكا بأنها تلعب بأوروبا وشعوبها لغايات استراتيجية واقتصادية؟ ألم يصل الأمر بالبعض للحديث عن مخطط أمريكي روسي مشترك لخنق أوروبا؟ ألم يبتز الرئيس الأمريكي ترامب الأوروبيين من قبل بالتواطؤ مع بوتين؟

وكي لا ننسى التاريخ أن المسيحيين الأوروبيين قتلوا من بعضهم البعض خلال الحرب العالمية الثانية أكثر من ستين مليون شخص؟ وهل ننسى حرب الثلاثين عاماً بين البروتستانت والكاثوليك في أوروبا ذات يوم التي دمرت بلداناً وشردت وقتلت الشعوب بالملايين؟