كيف ولماذا يقلّل “حزب الله” من دلالات “عودة الغائبين”؟

ابراهيم بيرم – النهار

بأقل قدر من الهلع وبأكبر قدر من الهدوء يحاول “حزب الله”، وفق مصادر قيادية فيه، تصوير “الحراك الكثيف” للذين يدرجون أنفسهم في خانة أعدائه والباذلين جهودا استثنائية بغية كبح اندفاعة الحزب والحيلولة دون تمدده.




ويرصد الحزب هذا الحراك الرامي برأيه الى امرين:

الاول، اعادة جمع اكبر عدد ممكن من اركان فريق #14 آذار الذي انفضّ جمعه وانفرط عقده منذ زمن ليس بقريب.

والثاني، اثبات ان ثمة عملا جادا لانتاج عصبية سياسية متماسكة تعمل تحت شعار اظهار ان زمام الامور والمبادرة لم يفلت بعد من يد اطياف الفريق الذي يُجمع على شعار واحد هو مناوءة الحزب والدخول في اشتباك مستدام معه، والتأكيد ان ثمة خطة مضادة وُضعت بعناية وإتقان وانطلقت للتو بهدف منع الحزب ومَن سار في ركاب محوره من تحقيق انتصار. وبمعنى آخر، ترى مصادر الحزب إياها ان هناك سباقا محموما مع الوقت يجد الفريق المعادي له ان عليه ان يخوض غماره بغية تقديم ما يلزم من براهين تطمئن القلقين الى ان امور البلاد لن تنزلق اطلاقا الى يد الحزب وحلفه، وان كل ما اشيع وسرى عن ذلك انما هو أضغاث احلام لا مكان لها، وتقديم ادلة ايضا على ان مرحلة الاحباط والوهن التي فرضت نفسها على قسم من اللبنانيين في اعقاب اعلان الرئيس سعد الحريري خروجه و”تيار المستقبل” من السباق الانتخابي ومشهد الفعل السياسي عموما، والذي تواكب مع اعلان الدول الخليجية خروجها الكلّي من الساحة اللبنانية بعد سحب السفراء في خطوة غير مسبوقة، قد زالت.

دوائر الحزب المولجة بمواكبة هذا الحراك المستجد تعرف انه بثّ نوعا من انتعاش الآمال عند الفريق “المعادي” واطلق دينامية من الحيوية السياسية لدى مكوناته. ولا تخفي هذه الدوائر ان بين يديها فيضاً من الوقائع والمعلومات عن تفاصيل مسار هذا الحراك وما انتجه من معطيات جديدة. وبناء على ذلك تستنتج ما مفاده ان هذا الفريق عاد الى ساحة الفعل والتأثير، ولكن عودة الذي وضع نصب عينيه استدراك ما فاته واللحاق بما سبقه. لذا فهو يطلق اكبر قدر من الصخب بهدف ترهيب الفريق الخصم وادخال اعتقاد اليه فحواه ان “فترة السماح” الذي انساق اليه خلال الاشهر القليلة الماضية قد انتهى زمنها ومفعولها، وان عليه تاليا ان يعيد النظر بكل حساباته ويتهيأ لنوع جديد من المنازلات من طبيعة اكثر خشونة.

ولكن لدى دوائر “حزب الله” رؤية مغايرة وفلسفة مختلفة للمرحلة المقبلة تقوم على العناصر الآتية:
– ان هذا الحراك الذي يبدو متفلتا من ايّ ضوابط ينمّ في رأي الحزب عن قلة دراية بعمق المعادلات التي رسخت ورست خلال المرحلة الماضية.

– انه محاولة بيّنة لاستدراك اخطاء سياسية، ومن صفاته (الحراك) العجلة والارتجال مما افضى الى فكفكة بنية معادلة سياسية قد يصعب اعاد ة نفخ الروح فيها وإن عبر رمز سياسي استُعين به ليحل محل رمز المرحلة السالفة. وعليه، فان المشهد الحالي الفارض نفسه على مسرح السياسة هو صراع حاد داخل الشارع السنّي والمراد منه فرض امر واقع في عجلة وبأقل قدر من الصخب لتصفية الحريرية السياسية بصورتها المعروفة كزعامة توشك ان تكون مطلقة لهذا الشارع، اي انه اشبه بانقلاب يُخفِض اناسا ويرفع آخرين ولو لفترة محدودة.

فلقد كان المرتجى وفق مصادر “حزب الله” ان تثمر الضغوط التي مورست على الحريري طوال نحو ثلاثة اعوام ان يبادر هو نفسه الى الانكفاء والخروج الطوعي والسلس، بَيد ان الرجل ابدى مقاومة على طريقته وادى الحرد الذي مارسه الى خلط كل الحسابات المتوقعة. ولكن في النهاية بات لدى الحزب استنتاج اوّلي يشير الى هجرات كوادر لا يستهان بها من قيادات “المستقبل” ورموزه الى رحاب واقع فرضه الرئيس فؤاد السنيورة بدعمٍ ومباركة، ما عزز الخشية من ان يكون ظل الزعامة الحريرية بشكلها المعهود الذي ظلل طويلا الساحة السنية الى تراجع وهو ما ستظهره الايام المقبلة.

وبصرف النظر عن صحة وصدقية ودقة هذا التشخيص لدى الحزب، فان السؤال الاهم عنده هو: ماذا بعد؟ واستطرادا ما الذي تحمله المرحلة المقبلة بعد عودة العائدين الى ساحة الفعل والتأثير والتحدي؟

لا تكتم دوائر الحزب انها من الاساس كانت تتوجس من أبعاد ما بعد خطوة الحريري بالاعتكاف والخروج من ميدان الفعل. وما الدعوة المباشرة التي وجّهها السيد حسن نصرالله للحريري باعادة النظر والعودة عن قراره إلا تعبير مضمر عن الخشية من الاحتمالات السلبية لمثل قرار كهذا، وما يمكن ان ينجم عنه ويتأتى منه، وهي كانت دعوة “صادقة”. وعليه كان الحزب خلال الاشهر السابقة في حال ترقّب لما يلي، الى ان وُلد الحدث المنتظر، وهو ما يصفه الحزب بـ”حفلة مزايدات” تنطوي عليها رغبة في اعادة الامور الى مربّع سبق وجُرّب وتمخّض عنه مزيد من التشتت ومناخات الانقسام على نحو بدّد كل فرص الانقاذ للبلاد من محنتها.

وبمعنى آخر، كان الحزب يقيم على رجاء ان يكون الانهيار في البلد من جهة واستحقاق الانتخابات من جهة اخرى محطة يستغلها الجميع ليقدّموا للناس خريطة طريق يرونها للانقاذ، فاذا ببعضهم يبادر الى اطلاق موجة شعارات عديمة النفع والجدوى، ولا تراكم إلا مزيدا من الانقسامات والنزاع. وفي كل الاحوال، تقول الدوائر عينها ان “امر العودة وحفلة الوعيد المنبثقة منها لن تغير كثيرا، فالامور معقدة ومركّبة اكثر مما يحبون او يتخيلون. فحتى وإنْ قيّض لهم فرضية ان يجمعوا بين ايديهم اكثرية نيابية مريحة على غرار ما تحصَّل لهم في انتخابات عامي 2005 و2009، وكما تحصَّل لفريقنا في الانتخابات الاخيرة، فان ذلك لن يفضي الى فتح الابواب امام الحلول المرتجاة، خصوصا اذا ما كانوا قد بنوا احلاما وشعارات على استهداف رأس الحزب. ولسان حال الحزب امام كل هذا التهويل امر واحد هو: أمَا آن لرحلة الصخب والضوضاء تلك ان تجد نهاية لها ليرتاح الصاخبون ويهدأ روع البلاد؟”.