“هجوم المحبة” اللبناني على السعودية لن يغير موقفها

تقلل مصادر سياسية لبنانية من جدوى الإشادات التي يطلقها المسؤولون اللبنانيون تجاه السعودية وقدرة ما وصفوه بـ”هجوم المحبة” على تحقيق اختراق في موقف الرياض الصارم لجهة تحجيم نفوذ حزب الله وحصر سلاحه كشرط لدعم لبنان ماليا واقتصاديا وإخراجه من أزماته المتعددة.

وأعرب رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي الخميس، عن اطمئنانه إلى عودة الصفاء لعلاقات بلاده مع دول مجلس التعاون الخليجية لاسيما السعودية.




وقال ميقاتي “مطمئنون إلى عودة الصفاء إلى علاقات لبنان العربية، وبإذن الله سنواصل خطوات تعزيز هذه العلاقات وتطويرها”.

وأضاف “رغم كل الأجواء السلبية التي تتم إشاعتها، فنحن على قناعة بأننا نقوم بكل العمل المطلوب منا”.

ويقول خلدون الشريف، السياسي والمستشار السابق لميقاتي، إن “تطور العلاقات بين الجانبين يتعلق بشكل أساسي بأداء الحكومة اللبنانية”، مشيرا إلى أن “عودة السفير السعودي للدبلوماسية ليس أكثر”.

وأوضح الشريف “إلى اليوم، دول الخليج تعتبر أن لبنان هو جزء من المحور الإيراني، لذلك لا نستطيع أن نقول إن عودة السفير السعودي تغيّر من هذا التموضع”.

والأسبوع الماضي، عاد سفراء السعودية والكويت واليمن تباعا إلى لبنان، بعدما غادروه وكذلك سفيرا الإمارات والبحرين، إثر أزمة دبلوماسية بين بيروت والرياض.

واندلعت الأزمة بين بيروت والرياض على خلفية تصريح انتقد فيه وزير الإعلام اللبناني السابق جورج قرداحي حرب اليمن أواخر أكتوبر 2021، معتبرا أن المتمردين الحوثيين الموالين لإيران في حالة دفاع عن أنفسهم.

ومنذ مدة، يطلق المسؤولون اللبنانيون إشادات بدور السعودية وضرورة تواجدها على الساحة اللبنانية وتعهدات مكررة لجهة حماية أمن دول الخليج ومصالح الرياض، وهي تعهدات لم تعد تأتي أكلها خاصة وأن المسؤولين اللبنانيين لم يلتزموا بها في وقت سابق وينظرون إلى السعودية كداعم مالي دون التقيد بالتزاماتهم تجاهها وهو ما لم يعد ينسجم مع استراتجيات الرياض الجديدة في المنطقة.

وغادرت السعودية مؤخرا انكفاءها عن لبنان بتقديم الدعم الإنساني المباشر للبنانيين عبر المؤسسات غير الرسمية، لكن الانفتاح السعودي مجددا على لبنان وإعادة بناء الثقة مقيّد بمدى التزام المؤسسات الرسمية اللبنانية بتعهداتها.

وكشف رئيس حزب التوحيد العربي وئام وهاب، أنّه “بحسب معلوماتي، هناك قرار سعودي بإيداع مبلغ 2 أو 3 مليارات دولار بعد الانتخابات النيابية، وهناك دول خليجية ستلتحق بهذا القرار، في سياق قرار فرنسي خليجي، وهذه الأموال مرتبطة بالإصلاحات التي يجب أن ينفذها لبنان”.

وأكد، خلال حديث تلفزيوني لقناة الجديد اللبنانية المحلية، أنّ هذه “الوديعة تأتي ضمن تسوية على مستوى المنطقة وهناك الكثير من الملفات التي ستتغير”.

وقال مراقبون إن تصريحات وهاب، التي لم تؤكدها أو تنفها الرياض، تعتبر خطوة لإعادة بناء الثقة وبداية مرحلة جديدة ينتظر أن تعمل القيادة اللبنانية الجديدة على استثمارها في تجنيب البلاد انهيارا اقتصاديا بات وشيكا.

ويتوقع المراقبون أن تعلن السعودية عن ضخها لوديعة في البنك المركزي اللبناني تزامنا مع زيارة مرتقبة خلال الشهر الجاري يؤديها ميقاتي إلى الرياض، بعد أن تمنعت السعودية عن استقباله طوال الأشهر الماضية.

وأعلن رئيس الحكومة اللبنانية أنه “سيزور السعودية قريبا وخلال شهر رمضان المبارك”، مضيفا “نأمل بإذن الله أن تكون صفحة جديدة نحو تنمية العلاقات وتطويرها بين البلدين”.

وردا على سؤال، قال ميقاتي “لم أشعر يوما بأن المملكة العربية السعودية أغلقت أبوابها أمامي وأمام أي لبناني، فنحن نعلم تماما أن اللبنانيين الموجودين في المملكة العربية السعودية محاطون بكل رعاية واهتمام من قبل القيادة”.

ويمهد الانفتاح السعودي لأرضية جديدة في لبنان، إلا أنّ وضوح الصورة بشكل أكبر يتطلب الانتظار لبعض الوقت، لمعرفة معالم التوجهات الجديدة للمملكة التي غادرت انكفاءها مؤخرا، عبر تقديم الدعم الإنساني للجهات غير الحكومية اللبنانية.

وسيبدأ في وقت قريب عمل الصندوق السعودي – الفرنسي لدعم لبنان الذي تقرر في الاجتماع، الذي عُقد بين وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الفرنسي جان إيف لودريان مؤخرا، بعدما تبرعت المملكة بـ36 مليون دولار عبر مركز الملك سلمان للإغاثة، وستصرف المساعدات للمؤسسات الإنسانية غير الرسمية.

وتقول مصادر سياسية لبنانية إن عودة الدعم السعودي إلى البنان، وحتى إن اقتصر حاليا على البعد الإنساني، يحمل إشارات إيجابية يجب البناء عليها من أجل أن تعود الرياض إلى لعب دورها المعتاد والتاريخي في إنقاذ البلاد من شبح إفلاس بات يتهددها.

وتشدد الرياض على عنوانين أساسيين لإعادة بناء الثقة: الأول هو التأكيد على أن الأزمة هي بين الشعب اللبناني وحزب الله، على أساس أن مصدر التوتر يتمثل في هيمنة الأخير على الساحة السياسية، أما الثاني فهو ضرورة حصول إصلاحات حقيقية، بالتزامن مع حثّ القوى السياسية على مواجهة الحزب الموالي لإيران.

وكانت السعودية ودول الخليج الثرية يوما ما من الدول المانحة السخية للبنان، لكن العلاقات توترت لسنوات بسبب تنامي نفوذ جماعة حزب الله المدعومة من إيران.

وتنتظر السعودية من القادة اللبنانيين الالتزام بتعهداتهم تجاه الرياض، لا الاقتصار على الأقوال في كل مرة يحتاج فيها لبنان إلى الدعم المالي والاستثمارات.

وبذلت الرياض كل ما في وسعها على مدى سنوات مضت لدعم لبنان وحث الفرقاء على منع ارتهانه إلى أيّ جهة خارجية، لكن اللبنانيين ظلوا ينظرون إلى المملكة كجهة مهمتها ضخ الأموال وتحريك الاقتصاد والسياحة دون أيّ التزام سياسي تجاهها، وهو خيار لم يعد يتماشى مع سياستها الجديدة.

وقدّمت المملكة المليارات في سبيل إعادة إعمار لبنان بعد الحرب الأهلية (1975 – 1990)، لكنّها بدت في السنوات الماضية غاضبة جراء فشل القادة السياسيين في كبح جماح حزب الله المسلّح والنافذ، المدعوم من إيران.