الخبز مدعوم مؤقّتاً والحكومة تتكتَّم: مأزق التمويل يتفاقم

كان من المفترض على الدولة وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة إدارة الموجودات بالعملة الأجنبية بصورة تخفّف تداعيات انهيار سعر صرف الليرة، ريثما تتّضح معالم الخروج من الأزمة. وهذا ما لم يحصل طيلة نحو سنتين ونصف السنة من بدء الانهيار. ومع تبديد مليارات الدولارات في إطار سياسة دعم عشوائية، تضع الدولة من جديد، نحو مليار و140 مليون دولار على الطاولة، تمهيداً لهدرها تحت ستار تأمين القمح وضمان تشغيل معامل الكهرباء والحفاظ على التزامات لبنان تجاه المؤسسات الدولية.

حقوق السحب الخاصة
في أيلول 2021 حصل لبنان على نحو مليار و140 مليون دولار، هي حصّته من حقوق السحب الخاصة التي تستحق له من صندوق النقد الدولي. ومع تأكيدها أن هذا المبلغ “لن يحلّ المشكلات الهيكليّة ومشكلات النظام على المدى الطويل”، دعت المديرة العامة للصندوق، كريستالينا جورجييفا، إلى استخدامه “بطريقة مسؤولة وحكيمة”.

وبدل الاستفادة من الأموال لتحقيق استقرار لسعر صرف الليرة وتعزيز موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، واستقطاب الاستثمارات وغير ذلك من محفّزات تحريك الجمود الراهن، طرحت الحكومة في جلستها اليوم الخميس 14 نيسان، اقتطاع مبلغ لـ”تسديد ثمن القمح والطحين”، وذلك بناءً على “عرض وزير المالية اللجوء إلى حقوق السحب الخاصة”. ليتبيّن أن جدول أعمال الجلسة يضم طرح اقتطاع المزيد من الأموال من تلك الحقوق، لتأمين ثمن “الأدوية المراد استيرادها، إضافة إلى دفع مستحقات القروض لصالح الصناديق والمؤسسات العربية والدولية وإعطاء مؤسسة كهرباء لبنان سلفة خزينة لإجراء الصيانة العامة”.




المبلغ لا يكفي
من المتوقّع أن تقتطع الحكومة نحو 15 مليون دولار لدعم استيراد القمح. وهذا المبلغ أو أكثر، مُرَحَّبٌ به إذا أسهم بحلّ أزمة الخبز، لكن الواقع لا يشي بذلك. فحسب أحد أصحاب المطاحن “يحتاج السوق شهرياً إلى نحو 55 ألف طن من القمح، بفعل زيادة الطلب على استهلاك الخبز، بعد أن كانت الحاجة سابقاً نحو 50 ألف طن”. ويقول صاحب المطحنة لـ”المدن”، أن الـ15 مليون دولار “تكفي لتغطية الحاجة لنحو 15 يوماً فقط”. ويشرح بعملية حسابية، أن “سعر طن القمح حالياً نحو 480 دولاراً، وكان قد وصل إلى نحو 525 دولاراً. وعليه، فإن قسمة المبلغ على سعر الطن، تفضي لشراء نحو 31 ألف طن أي أكثر بقليل من نصف الكمية المطلوبة. فماذا بعد ذلك؟”.

عدم تأمين الدولارات لدعم استيراد القمح لا يوقف الاستيراد. فالبواخر تواصل تفريغ القمح من دون أن يذهب إلى المطاحن قبل تأمين الدعم. ولذلك، يلفت صاحب المطحنة النظر إلى أن أصحاب المطاحن “لا يمكنهم التصرّف بالقمح قبل حسم مسألة الدعم أو عدمه. فعلى الدولة أن تقرر لتعرف المطاحن ماذا تفعل”. ويوضح أن “وقف الدعم يعني إقفال بعض المطاحن”.

سلفة الكهرباء
وجدت السلطة مخرجاً لتمرير سلفة الخزينة لمؤسسة كهرباء لبنان، بقيمة 5000 مليار و250 مليون ليرة، من خارج موازنة العام 2022 لتخفيض أرقام العجز، لكنها لم تؤمّن مصادر التمويل. فلجأت لحقوق السحب الخاصة. على أن يستعمل المبلغ لتسديد ثمن شراء الفيول وإجراء الصيانة وتسديد مدفوعات أخرى متراكمة على المؤسسة. أي أن السلطة تريد تمرير اقتطاع نحو 200 مليون دولار، للتخفيف عن كاهل مؤسسة وقعت في العجز بفعل مشاريع زبائنية.

مستحقات دولية
بعد امتناعها عن تسديد مستحقات حملة سندات اليوروبوند، تبحث الدولة عن سداد قيمة القروض لصالح الصناديق والمؤسسات العربية والدولية، والتي تقدّر بنحو 32 مليون دولار. وكانت الحكومة قد بحثت امكانية اقتراض هذه القيمة من مصرف لبنان الذي رفض مراراً دفع المبلغ من دون إجراء عقد قرض بينه وبين الحكومة. ومع أن الحاكم كان يصرّ على عدم إعطاء القرض من أموال السحب الخاصة، وإنما من السيولة المتوفرة عبر الودائع والتوظيفات إلزامية، تتجه الحكومة إلى مد اليد على حقوق السحب لتوفير 1.1 مليون دولار، هي دفعة لا يمكن تأجيلها مجدداً، إذ أنها مستحقة في منتصف شباط الماضي وحذّر البنك الدولي من عدم دفعها خلال مهلة 45 يوماً من استحقاق الدفع.

الحكومة تتكتَّم
امتنعت الحكومة عن كشف ما حُكي في اجتماعها، وتغاضى وزير الإعلام زياد مكاري عن الإضاءة على ملف دعم الدواء وتأمين المال لسلفة الخزينة ومستحقات الجهات الدولية، بل قفز إلى ملف القمح نظراً لحساسيّته في ظل انقطاع الخبز. معلناً بعد الجلسة أنه “لم يُحكى عن رفع تدريجي للدّعم عن القمح، لكن هناك شيء ما حُكي في جلسة مجلس الوزراء “ومش ضروري نحكيه هلق”، وأعتقد أنّه في الجلسة المقبلة سنطلعكم على التّفاصيل”. والتكتّم المقصود لإخفاء حقيقة التوجّه لتبديد أموال جديدة ورفع إضافي للدعم، وهو ما لم يُخفه مكاري إذ قال أنه من الممكن أن يرفع الدعم عن منتجات أخرى غير الخبز العربي.

أزمة التمويل مستمرة. وإن بقي الخبز مدعوماً، فلفترة لم تعد بعيدة، وعلى الأرجح سيُنظّر فيها بعد الانتخابات النيابية المنتظرة. وحينها، سيكون الدواء والخبز والبنزين.. وغيره، في مصاف المازوت والسكَّر والزيت، بلا دعم.



المدن