تشيّع إيران والطريقة الصفوية – توران قشلاقجي – القدس العربي

ظلت إيران واحدة من أهم معاقل الفكر السني حتى القرن الخامس عشر. ونشأ أبرز المفكرين في العالم السني بشكل عام من المنطقة التي كانت اللغة الفارسية هي السائدة فيها. أمّا تشيّع إيران، فقد بدأ مع الشاه إسماعيل في القرن الخامس عشر. لم يكن الشاه إسماعيل فارسيا، بل كان تركيا من حيث العرق. والطريقة الصفوية التي أسسها أجداده كانت سنية أصلًا في بداية تأسيسها.

ولد الشاه إسماعيل بتاريخ 17 يوليو/تموز 1487 في منطقة أردبيل التي يقطنها الأذربيجانيون، من أسرة مشيخة تنتمي إلى الطريقة الصفوية وهي تركية الأصل. والده الشيخ حيدر، وجدّه هو الشيخ جُنيد. وكانت أمه علم شاه حليمة بيكُم ابنة أوزون حسن، أحد حكام قبيلة الآق قويونلو التركية المهمة.




تأسست الطريقة الصفوية في أردبيل على يد الشيخ صفي الدين، أحد أجداد الشاه إسماعيل، الذي كان ينتمي إلى المذهب الشافعي.. وأطلق على المنتمين إلى هذه الطريقة في عهد صفي الدين، لقب الجيلانية. وبعد وفاة الشيخ صفي الدين، أصبحت الطريقة تسمى بالصفوية. وتطلق المصادر العثمانية على المنتمين إليها اسم الأردبلية أو صوفية أردبيل. بعد وفاة الشيخ صفي الدين عام 1334 تولى ابنه الشيخ صدر الدين رئاسة الطريقة.

وبعد وفاته صدر الدين، انتقلت الرئاسة لابنه الخواجة علي. وتشير مصادر تاريخية إلى أن القائد تيمورلنك أثناء عودته من معركة أنقرة زار أردبيل وعبّر عن احترامه للخواجة عَلي وسلّمه زمام أمور 30 ألفاً من التركمان، ثم أهداه أردبيل وعددا من القرى. وعندما توفي الخواجة علي عام 1429، تسلّم رئاسة الطريقة ابنه إبراهيم الملقب بالشيخ – الشاه. ولم تظهر لدى الصفوية في عهد إبراهيم بوادر الانتقال من المشيخة إلى الملكية، لكن بعد وفاته عام 1447 حلّ محله الشيخ جُنيد ليكون أول شيخ يبادر لتحويل الطريقة إلى دولة. وأصبحت الصفوية في عهد الشيخ جُنيد تتجاوز حدود العمل الإرشادي، وتكتسب طابعا سياسيا. وأدت الطموحات السياسية الكبيرة للشيخ جُنيد إلى حدوث خلاف بينه وبين عمّه جعفر. ووفقا للمصادر، لم يول رجال الدولة العثمانيون المصداقية للشيخ جُنيد، وكان الأخير قد حلّ ضيفا على مقر صدر الدين القونوي في قونية، وخاض نقاشات حول الإمامة والخلافة في إطار سعيه إلى تعزيز مكانة الإمامة، التي ينسبها الشيعة لأهل البيت. لكن الشيخ جُنيد لم يستقر في قونية، وانتقل منها إلى حلب التي يعيش فيها التركمان بكثافة، وكان خطابه الإرشادي قد أصبح شيعي الطابع بالكامل. بعد وفاة الشيخ جُنيد عام 1460 حلّ محله ابنه حيدر الذي حصل على دعم كبير من خاله السنيّ أوزون حسن. ونظراً لارتدائهم عمامة حمراء على رؤوسهم أثناء المعارك، أطلق عليهم لاحقًا لقب «القزلباش» (ذوو الرؤوس الحمراء). وقد قُتل الشيخ حيدر خلال معركة وقعت عام 1488 ليحل مكانه ابنه علي، ثم انتقلت القيادة إلى إسماعيل.

سعى الشاه إسماعيل إلى الانفصال بشكل كامل عن الأتراك العثمانيين من الناحية الطائفية، ولتحقيق ذلك، جلب الملالي من شيعة الجعفرية في لبنان والبحرين، ونشر أولًا الجعفرية بين منتسبي الطريقة الصفوية التي كانت قد بدأت باكتساب الطابع السياسي والتحول إلى طريقة شيعية في عهد جده حيدر، وبعد ذلك أجبر جميع سكان إيران على اتّباعه، ولجأ إلى قتل كل من يرفض الانتساب إلى طائفته، بمن في ذلك أمه، وبذلك بدأت حملة تحويل إيران إلى الشيعية على يد الشاه إسماعيل. وأصبح الأتراك الأذربيجانيون أقوى مؤيدي الشاه إسماعيل. كان الشاه إسماعيل يستخدم الاسم المستعار «خاتَاي»، وكتب قصائده الشعرية بهذا الاسم. وألّف ديوانه باللغة التركية الأذربيجانية، وكانت تتمتع بأسلوب واضح للغاية، في حين أن السلطان العثماني ياووز سليم، الذي حاربه، استخدم اللغة الفارسية في قصائده الشعرية. ويتم تدريس ديوان الشاه إسماعيل الشعري في كليات الأدب التركي باعتباره مثالًا على اللغة التركية الجميلة. تمكن السلطان ياووز سليم من هزيمة جيش الشاه إسماعيل، الذي كان يسعى للتحالف مع العالم المسيحي لضرب الدولة العثمانية بغدر، خلال معركة جالديران التي وقعت عام 1514. لم يستطع الشاه إسماعيل أن يتقبل هذه الهزيمة، وعزل نفسه بعدها لممارسة الصيد والترفيه إلى أن فارق الحياة بتاريخ 23 مايو/أيار 1524 في تبريز.