“على المفضوح”.. قصص الرشاوى الانتخابية في لبنان

“الرشوة الانتخابية ليست بجديدة على الساحة اللبنانية، ومع تدني قيمة النقد الوطني واستفحال الأزمة الاقتصادية، ستكون الرشوة أساساً في الانتخابات المقبلة، وتلعب دوراً كبيراً في شراء الضمائر، وهذا معروف في البلاد على المفضوح”.

ويضيف رئيس هيئة الإشراف على الانتخابات اللبنانية، القاضي نديم عبد الملك، لموقع قناة “الحرة” “لن تستطيع هيئة الإشراف على الانتخابات، أن تكافح هذا الواقع، رغم أنها عازمة على ذلك، وستقوم بكامل دورها القانوني بالإمكانات المتاحة لديها ووفقا لصلاحياتها. لكن وبالرغم من ذلك، فإن الرشوة الانتخابية تمثل آفة تاريخية في المجتمع اللبناني، من الصعب ضبطها وملاحقتها أو انهائها بشكل كامل”.




يختصر هذا الكلام  الواقع السائد حالياً والمقبل على لبنان في الأيام الفاصلة عن موعد الانتخابات النيابية المرتقبة في 15 مايو المقبل، حيث افتتح موسم البازار الانتخابي، ودخل فيه المرشحون والناخبون سوق العرض والطلب، في تقليد بات من أبرز السمات التاريخية للانتخابات في لبنان، بلغت حد القوننة والتشريع، وفق ما يؤكد الخبراء.

وعلى الرغم من “آمال التغيير” المعقودة على الانتخابات النيابية المقبلة، بكونها تجرى للمرة الأولى بعد الانتفاضة الشعبية عامي 2019 – 2020 ، التي طالبت بإصلاحات جوهرية في النظام السياسي القائم في البلاد، والذي أدى إلى انهيارها، فإن ظاهرة أساسية من ظواهر الفساد السياسي في لبنان، كالرشوة الانتخابية، لا تزال تهدد ديمقراطية الانتخابات وتكافؤ فرص المرشحين فيها، وبالتالي نتائجها ومدى انعكاس الإرادة الشعبية بالتغيير عبرها.

وبينما يرى لبنانيون في الأزمة الاقتصادية والمعيشية الخانقة التي أصابت البلاد، فرصة لمحاسبة المسؤولين ومراجعة الخيارات السياسية والتمثيلية للمواطن اللبناني، إلا أن الواقع يكشف عن تأثير معاكس تماماً.

حيث يبدو أن الواقع المعيشي المتردي يؤدي إلى تعزيز حضور الرشوة الانتخابية ومفعولها في التأثير على خيارات الناخب اللبناني وسلوكه، وفق معطيات الجهات المراقِبة للانتخابات، ومن بينها “الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات” (لادي)، التي رصدت ازدياداً أكبر في وتيرة التقديمات والرشاوى الانتخابية، مقارنة بالدورات الانتخابية الماضية، وفق ما يؤكد مديرها التنفيذي، علي سليم، في حديثه لموقع “الحرة”.

الأجواء الانتخابية لهذا العام في لبنان تتسم بمعدلات فقر قياسية
الأجواء الانتخابية لهذا العام في لبنان تتسم بمعدلات فقر قياسية

رشاوى زمن الأزمة

وأكثر من ذلك، تتماشى الرشاوى والتقديمات الانتخابية في لبنان، مع الأزمة الاقتصادية التي يعيشها اللبنانيون، والتي أحالت نحو 80 في المئة منهم على فقر متعدد الأوجه، وفق تقارير الأمم المتحدة، فيما ارتفعت نسبة البطالة إلى ما فوق عتبة الـ 40 في المئة، وسط انهيار قياسي للعملة اللبنانية أمام الدولار، حيث قفز سعر صرفها من 1500 ليرة للدولار الواحد إلى 25000 ليرة وفق سعر الصرف الأخير في أسواق الصرافة.

وفيما كانت الرشاوى الانتخابية في الماضي تتخذ أشكالاً متوافقة مع حاجات المرحلة، تطبّعت التقديمات الحالية مع متطلبات المواطنين الملحة، فأخذت أشكالاً لم يعهدها اللبنانيون في السابق، كدفع الأحزاب لفواتير اشتراكات مولدات الكهرباء الخاصة للناخبين، أو تأمين الكهرباء لمنطقة معينة، أو تقديم مولدات كهربائية لبلديات ومستشفيات، كذلك تأمين منح تربوية ورعاية صحية وأدوية مفقودة، أو حتى قسائم شراء محروقات، وقسائم تبضع مواد غذائية، وهذا كله نابع من الأزمات المعيشية التي جعلت المواطن اللبناني بحاجة ماسة لهذا النوع من التقديمات.

ولم توفر التقديمات الانتخابية، المستلزمات والحاجيات النسائية، كالفوط الصحية، التي ارتفع ثمنها بشكل كبير يفوق قدرة نسبة كبيرة من نساء لبنان على شرائها، حيث رصدت جمعية “لادي” تقديمات من هذا النوع في منطقة البقاع الغربي.

كذلك وثقت “لادي” توزيع حليب أطفال من قبل بعض المرشحين في شمال لبنان، ووصل الأمر ببعض المرشحين إلى حد التبرع بفتح الطرقات التي قطعتها الثلوج خلال العواصف الماضية، على نفقتهم الخاصة.

وسجلت الجمعية توزيع حصص غذائية أو ما يعرف بـ “الإعاشات”، وإقامة ولائم غداء وعشاء على شرف الناخبين في المناطق. كذلك وصل الأمر ببعض الأحزاب إلى حد إعلانها عن حملات تنظيف لمناطق بيئية، فيما استثمرت أحزاب أخرى في أزمة تكدس النفايات في الشوارع، وتبرعت بإزالتها من مناطق معينة على نفقتها الخاصة.

كل ذلك أدرجته “لادي” في تقاريرها الشهرية التي تعلن فيها بشكل متتابع عن نتائج مراقبتها لسير الحملات الانتخابية، حيث اعتبرت فيها كل تلك التقديمات كنوع من أنواع الرشوة الانتخابية.

في المقابل فإن كل تلك “التقديمات” لم تكن تجري في السر، بل تفاخر المرشحون والأحزاب بها، ونشروها عبر صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام كنوع من التسويق والاستقطاب، لاسيما وأن القانون الانتخابي في لبنان، يفتقد إلى الدقة والحسم في تعريفه للرشوة والتقديمات الانتخابية.

القانون “أصل المشكلة”

وفيما تعتبر جريمة الرشوة الانتخابية واحدة من أبرز الجرائم التي تؤثر سلبا عل نزاهة وشفافية تنظيم العملية الانتخابية، كونها تطال إرادة الناخبين وتنتقص من مبدأ حرية التصويت، فإن قانون الانتخابات اللبناني تضمن التفافاً على حظر الرشاوى الانتخابية، وفق ما يؤكد كل من سليم وعبد الملك.

وتنقسم المادة 62 من قانون الانتخاب، التي تتعلق بالرشوة الانتخابية، على فقرتين، الأولى تنص على “حظر الالتزامات والنفقات التي تتضمن تقديم خدمات أو دفع مبالغ للناخبين، أثناء فترة الحملة الانتخابية، ومنها، على سبيل البيان لا الحصر، التقديمات والمساعدات العينية والنقدية إلى الأفراد والجمعيات الخيرية والاجتماعية والثقافية أو العائلية أو الدينية أو النوادي الرياضية وجميع المؤسسات الرسمية”.

فيما ترفع الفقرة الثانية من المادة الحظر عن التقديمات والمساعدات المذكورة أعلاه، “إذا كانت مقدمة من مرشحين أو مؤسسات يملكها أو يديرها مرشحون أو أحزاب درجوا على تقديمها بذات الحجم والكمية بصورة اعتيادية ومنتظمة، منذ ما لا يقل عن ثلاث سنوات قبل بدء فترة الحملة الانتخابية، وفي هذه الحالة لا تعتبر المدفوعات والمساعدات المقدمة أثناء الحملة الانتخابية خاضعة للسقف الانتخابي”.

يصف رئيس هيئة الإشراف على الانتخابات اللبنانية الفقرة الثانية بأنها تشريع “للرشوة المقنعة” مؤكداً أن هيئة الهيئة قد طالبت مراراً بإلغاء تلك الفقرة من القانون، وهو ما لم يحصل، “وبالتالي القانون نفسه لم يعتبرها من المحظورات”.

الأصوات الانتخابية تباع بالدولارات
الأصوات الانتخابية تباع بالدولارات

ويضيف عبد الملك “نحن من ناحيتنا نستند على الشق الأول من القانون لنقوم على أساسه بدورنا الرقابي، ولكن في المقابل لم تصلنا حتى الآن أي شكوى في هذا الخصوص، رغم أننا نرى أنشطة كافة المرشحين والأحزاب والجمعيات، ونشاهد المساعدات العينية ونسمع عن المبالغ المالية والتقديمات، والقسائم الشرائية، والخدمات، وغيرها”.

وكانت هيئة الاشراف على الانتخابات قد أصدرت توضيحا لمضمون هذه المادة 62، رأت فيه “أن مثل هذه التقديمات المدرجة تحت هذا العنوان يجب أن تتسم بالديمومة والاستمرارية وأن تحافظ على مستوى مشابه لجهة الكميات والنوعية والنفقات الناتجة منها على أن تتحمل الجهات المانحة مسؤولية إثبات الوقائع المتعلقة بالاستمرارية وتقديمها على هذا النحو خلال المدة المحددة، ‏وأن عدم إقامة الدليل على ديمومتها وانتظامها ينفي عنها صفة الاستمرارية ويجعلها محظورة وخاضعة لأحكام المادة 62 من القانون”.

يفترض أن تكون هيئة الاشراف هي من يراقب هذه الأمور، وفقا لسليم، لكن وبعد التعديلات التي طرأت على القانون مؤخراً يرى أن مهمة الهيئة باتت تتطلب عمل سنة على الأقل.

فالهيئة تتشكل قبل ستة أشهر من موعد الانتخابات وتنتهي مهامها بعد ستة أشهر من إجرائها، “وما بين الموعدين تمر سنوات بين الانتخابات لا أحد يراقب فيها المساعدات والتقديمات، وبالتالي من يراقب ومن يقدم قطع الحسابات والبيانات اللازمة من المؤسسات والجمعيات؟ وكيف يتأكدون من نوعية التقديمات؟ ومن يؤكد استمراريتها لمدة ثلاث سنوات قبل موعد الانتخابات وفق ما ينص القانون؟” يسأل سليم.

ويعتبر سليم أن صياغة القانون “مصيبة بحد ذاتها” يصح من بعدها السؤال: “وما هي الرشوة الانتخابية؟” وذلك نسبة للواقع اللبناني، حيث أن جميع الأحزاب والشخصيات السياسية والتيارات المرشحة “تمتلك منظومة زبائنية متجذرة، دائما ما تشتري ولاءات الجماهير عبرها وتحافظ على شعبيتها من خلالها، وبالتالي هذا القانون جاء تشريعا لنشاط هذه المنظومة الزبائنية بكل وضوح، وهذه المادة القانونية مهمتها ترسيخ إعادة إنتاج الطبقة السياسية الحاكمة نفسها”.

يضيف المدير التنفيذي لـ “لادي” أن الجمعية لا تهدف إلى تغيير هذه الطبقة السياسية، ولكن ترفض في نفس الوقت أن تكون الانتخابات محطة لإعادة ترسيخ الطبقة الحاكمة ذاتها، “لاسيما وأنه مع تدهور الوضع المالي والمعيشي الذي نعيشه، تساهم في ذهاب الأصوات بأغلبها للمرشحين النافذين مالياً وسياسياً والقادرين على تقديم المساعدات، وهو ما يلغي تكافؤ الفرص والحظوظ بين المرشحين لخوض غمار العملية الانتخابية”.

ارتفاع هائل في الانفاق الانتخابي

من جهة أخرى، وبعد أزمة السيولة التي لحقت بالانهيار الاقتصادي، واتخاذ المصارف إجراءات قيدت حركة السحوبات وفرضت سقوفاً محددة، إضافة إلى احتجاز أموال المودعين لديها، فقدت الثقة بالمصارف، واتجه الاقتصاد اللبناني بشكل حاد نحو الطابع النقدي في التعاملات. هذا الواقع صعب من عملية تتبع الرشوة الانتخابية، عبر مراقبة حسابات المرشحين واللوائح المخصصة للإنفاق الانتخابي.

وزاد من صعوبة الأمر، التعديل الذي طرأ مؤخرا على القانون الانتخابي، عبر رفع سقف الانفاق، الأمر الذي زاد من التشجيع على شراء الأصوات الانتخابية، وفقاً لـ “الدولية للمعلومات”.

ففي قانون انتخاب العام 2018 الرقم 44/ 2017، حُدّد السقف بـ 150 مليوناً لكل مرشح و150 مليون ليرة لكل مرشح في لائحة، و5 آلاف ليرة عن كل ناخب مسجل في الدائرة الانتخابية الكبرى. ووصل إجمالي الإنفاق المتاح في الدوائر الانتخابية قياساً إلى عدد المرشحين والناخبين في حينها إلى نحو 879 مليون دولار.

حالياً وبعد انهيار العملة اللبنانية، عُدل القانون السابق، وارتفع سقف الإنفاق إلى 750 مليون ليرة لكل مرشح و750 مليون ليرة لكل مرشح في لائحة و50 ألف ليرة عن كل ناخب مسجل في الدائرة الانتخابية الكبرى، ما يعني أن سقف الإنفاق الثابت ارتفع بنسبة 400 في المئة، فيما ارتفع سقف الإنفاق المتحرك بنسبة 900 في المئة، بحسب أرقام “الدولية للمعلومات”، التي ترى أن الرقابة على هذا الإنفاق مهمة صعبة أو مستحيلة نظراً لحركة السيولة النقدية الكبيرة في البلاد.

الأصوات بالدولار

يأتي ذلك كله، بمعزل عن الشكل الأبرز للرشوة الانتخابية في لبنان، وهو التسعيرة النقدية لثمن الصوت الواحد، والذي يختلف بحسب اقتراب موعد الانتخابات واحتدام المعركة والدائرة الانتخابية ونوعية المرشحين عنها، بالإضافة إلى توقيت الإدلاء بالأصوات، حيث يختلف سعر الصوت ما بين فترة قبل الظهر أو بعد الظهر في يوم الانتخاب، فترتفع أو تنخفض التسعيرة وفقاً لوضعية كل مرشح في النصف الأول من يوم الانتخابات.

وتبرز ظاهرة شراء الأصوات بالجملة من خلال توزيع مبالغ نقدية كبيرة لشراء ولاء عائلات كاملة، كذلك يسجل ظاهرة احتجاز الهويات للأفراد، لضمان تصويتهم يوم الانتخابات للجهة التي تدفع، حيث يفرض قانون الانتخاب الاقتراع عبر الهوية اللبنانية.

ويسجل هذا الموسم الانتخابي فوضى في تسعيرة الأصوات، وفق ما يؤكد “باتريك”، أحد “المفاتيح الانتخابية” في قضاء زحلة، الذي عادة ما يشهد ارتفاعاً كبيراً في سعر الصوت الانتخابي، ويفيد “باتريك” بأن المعدل العام حالياً بات بمعدل 100 دولار للصوت الواحد، “ولكن هذا الرقم يأتي قبل شهر من موعد الانتخابات، ما يعني أنه سيتضاعف بعد وقد يصل إلى ألف دولار يوم الانتخاب، أو أكثر، فهناك مرشحون بدأوا يحجزون أصواتاً مؤكدة بقيمة 500 دولار منذ الآن”.

ويوضح باتريك في حديثه لموقع “الحرة” أن الموسم الانتخابي يمثل بالنسبة له “موسم رزق”، ينتظره كل أربع سنوات ليعمل فيه لصالح مرشحين في تأمين أصوات مؤكدة لهم، ويتقاضى على أساسها عمولة، “وبالتالي تمثل فرصة كسب سريع لنا اعتماداً على علاقاتنا العامة في المناطق وضمن نطاقنا”.

ويضيف “كثير من المقترعين أيضاً ينتظرون الموسم للحصول على المال الانتخابي، نعرفهم واحد واحد وعائلة عائلة، لا يهتمون بالجهة السياسية أو التوجه أو أي معيار إلا السعر المدفوع في الصوت”، ويلفت إلى أن “هذا الموسم يشهد تفاوتاً كبيراً في التسعير وضياعاً بين التسعير بالعملة اللبنانية والدولار وحجم المبلغ إن كان كثيراً مغرياً أم قليلاً، لكن يبدو وكأن هناك اتفاقاً بين الناس ألا يقبضوا إلا بالدولار”.

ويعتبر هذا النوع من الرشاوى الأكثر استتاراً، حيث تجري تلك الممارسات بعيداً عن الأعين وباتفاقات مباشرة بين مندوبين عن المرشحين وممثلين للعائلات والمفاتيح الانتخابية في المناطق، بشكل يبعد المرشحين أو الأحزاب عن المسؤولية المباشرة في حال جرى ضبط الرشوة بالجرم المشهود.

وفي هذا السياق يلفت عبد الملك إلى أن جرم الرشوة عادة ما يتم بين شخصين، الراشي والمرتشي، ويعتبران شريكين في الجرم، وتتم ملاحقتهما قانونياً، “من هنا يأتي السؤال: من سيتكلم عمن؟ لا الراشي ولا المرتشي، إلا إذا ضبطت الرشوة بالجرم المشهود عندئذ تلقائيا قوى الأمن ستحيلهم مباشرة على النيابة العامة”.

“مطلوب شكاوى”

يناشد رئيس هيئة الإشراف على الانتخابات، جميع الناس والأحزاب والمرشحين وكل من يرصد انتهاكاً أو رشاوى، “أن يتقدموا للهيئة بشكاوى، لنتمكن على أساسها من التحرك والتحقيق، خاصة وأنه ليس لدى الهيئة جهاز رقابي على الأرض ليرصد ويتابع ويحقق بهذه الممارسات”.

ويضيف عبد الملك أن “وصول الشكوى هو ما يحدد إذا سنتحرك أم لا، نحن بالمبدأ نطّلع على الشكوى حين تصلنا ونجري تحقيقاً فيها، من ثم نحيلها على المرجع المختص، وهي النيابة العامة، فالرشوة الانتخابية تمثل جرماً جزائياً، والجرم الجزائي من اختصاص السلطات القضائية أن تحقق به وتتابعه وتدعي فيه”، مشيراً إلى إمكانية اعتبار التقرير الصادر عن جمعية “لادي” بمثابة إخبار تحيله إلى السلطات القضائية في المرحلة المقبلة، إذ “لا شيء يمنع ذلك”.

ويختم عبد الملك متحدثاً عن “صعوبة كبيرة” في أن تتمكن هيئة الإشراف من التعاطي مع هكذا مسائل، خاصة في ظل قلة الشكاوى وضمن الإمكانيات المحدودة والصلاحيات المعطاة للهيئة في بالقانون، “وأكثر من ذلك، أي هيئة إن لم يتوفر لها العناصر المالية والمعنوية واللوجستية والبشرية لتعمل بفعالية لا يمكنها أن تحقق أي نتيجة، فما بالك ونحن 11 عضواً فقط، ما الذي يمكننا فعله على صعيد لبنان؟ ليس لدينا القدرة على ذلك وليس لدينا جهازا لنكلفه بأي إجراءات، وإنما نحولها فقط على القضاء المختص، وبالتالي مسؤوليتنا رصد وتقصٍ، وليس لدينا أي صلاحية أو سلطة نفرضها على مرتكب المخالفة.”

المصارحة سلاح

من جهته، يرى سليم أن هيئة الإشراف مؤتمنة على العملية الانتخابية، ورغم أنها “مكبلة بالقانون والإمكانيات”، عليها واجب أن تصارح الرأي العام بالواقع الذي تشهده، وأن تخبر الناس عن التكبيل السياسي والمالي الذي يعانون منه، مشددا على ضرورة أن ترفع الهيئة صوتها في كل ما تراه وتعانيه، “وحتى لو أن القانون لا يلزم الهيئة بمصارحة الرأي العام ولكنه أيضا لا يمنعها من ذلك، وبالتالي على الهيئة أن تنقل الواقع القائم للرأي العام من منطلق الشفافية في العمل”.

وفيما يقع على عاتق هيئة الإشراف مهام القيام بحملات تثقيف انتخابية، يوضح سليم أن هذا الدور “لا يقتصر فقط على شرح القانون أو آلية الاقتراع وتوزيع المراكز والأسماء، وإنما التوعية الانتخابية تتضمن تفسيراً لدور الناخب وأهمية الانتخابات كمحطة مصيرية، وتنبيهاً لمساوئ الرشوة الانتخابية وما تؤدي إليه”.

“شئنا أم أبينا، عملية شراء الأصوات باتت ظاهرة موجودة ومنتشرة في كافة الدوائر الانتخابية”، وفقاً لسليم، الذي يلفت إلى أن لبنان لم يشهد في تاريخه إقرار قانون انتخابي يكافح الرشوة الانتخابية. بالتالي وفي ظل غياب قانون مانع “ستستمر هذه الدوامة وستحتاج إلى كسر في مكان ما، من خلال التوعية بالدرجة الأولى”، بحسب سليم.

المدير التنفيذي لـ “لادي” يدعو هيئة الاشراف على الانتخابات لمصارحة الرأي العام “كيف أنها ومنذ انتخابات العام 2018، أحالت 45 وسيلة إعلامية على محكمة المطبوعات، وحتى الآن رغم حلول موعد الانتخابات الجديدة، لم يبت بهذا الملف، أو أن هناك مرشحين منذ عام 2018، لم يلتزموا بمهلة الشهر لتقديم بياناتهم الحسابية الشاملة لهيئة الاشراف على الانتخابات، وهناك 222 مرشحاً لم يرسلوا بياناتهم حتى الآن، لم يعلن للرأي العام من هم هؤلاء، رغم وجود بند جزائي بقيمة مليون ليرة عن كل يوم تأخير، ما يعني نحو 300 مليار ليرة يجب أن تكون اليوم في خزينة الدولة”.

ويتابع سليم “الناس يفوتها ذلك، ومن حقهم أن يعرفوا هذه التفاصيل الغائبة عنها، ومن واجب الهيئة أن تضع كافة السلطات أمام واجباتها وتحملها مسؤولية المماطلة والتأخير وعدم الجدية في التعاطي مع سلامة الانتخابات”.

ويختم معتبراً أن “ما يجري غير ديمقراطي بامتياز، وهو تأثير علني على خيارات الناس الانتخابية وسلوكهم”.