سيناريو رئاسي مكرر في ظروف متغيّرة – رفيق خوري – نداء الوطن

ليس خارج المألوف أن تدار المعركة النيابية في الربيع بحسابات المعركة الرئاسية في الخريف. حسابات الإستحقاق الدستوري وحسابات الشغور الرئاسي. ولا على خلاف العادة أن يشتد الهوس بالرئاسة، ولو كانت الجمهورية مخطوفة القرار. فالطموح الرئاسي مشروع لدى من يستحق ومن لا يستحق. ورؤية لبنان من نافذة المنصب الضيقة كانت ولا تزال قاعدة الطموح. لكن الصراع هذه المرة يدور على مصير البلد وهويته، وتاريخه، وليس فقط على الرئاسة. وما يزيد في الخطورة هو أن نجد امامنا من جديد سيناريو الفيلم الذي رأيناه قبل سنوات. سيناريو الشغور الرئاسي حتى التسليم بالمرشح الذي يفرض إنتخابه “حزب الله” كما فرض إنتخاب العماد ميشال عون بعد عامين ونصف من الشغور.

ذلك أن مشروع “حزب الله” في السلطة تجاوز في مساره ما كان عليه في المعركة الرئاسية السابقة. والمرشحون الذين يدورون في فلكه هم على خطوات الى الوراء بالنسبة الى الرئيس عون. والبلد اليوم تحت الأرض مالياً وإقتصادياً، ولا يمكنه أن يتحمل ما تحمّله قبل سنوات حين كان على سطح الأرض. أما مبدأ “السلطة للقوي في طائفته”، فإنه ألغى حرية الخيار والتعددية داخل كل طائفة، وقاد الى أسوأ نموذج للحكم بالتعطيل و”الفيتو”. وأما قصة “الرئيس القوي”، فإنها حلم وسط كوابيس الواقع. فكيف نتحدث عن “رئيس قوي” يأتي به حزب يمتلك “فائض القوة” ويتحكم بالسلطة من دون مسؤولية وبالشرعية التي تغطي مشروعه الإقليمي تحت عنوان “المقاومة الإسلامية”؟




أيام زمان كانت لعبة السلطة تدار بالتسويات المغطاة بما كان يسميه ميشال شيحا “الغموض البناء” و”الإلتباس الخلاق”. اليوم صارت الصورة بلا ظلال. طرف يريد أن يكون لبنان “منصة صواريخ” في “محور الممانعة”. وطرف يخوض معركة لاستعادة الشرعية وقرارها المخطوف لكي يعود لبنان الى دوره الطبيعي كبلد “عربي الهوية والإنتماء”. طرف يتخطى الخطوط الحمر في العلاقات التاريخية بين الطوائف، فيضع طائفته في يده ويلعب داخل الطوائف الأخرى. وطرف، هو عملياً أكثر من فريق، يحافظ على التوازن بين الطوائف، ويريد لكل طائفة أن تمارس ما يعطيها إياه دستور الطائف.

وليس هناك شيء إسمه “تركة الحريري” ليتنافس عليها الآخرون. فلا الرئيس سعد الحريري تقاعد عن الزعامة وإن عزف عن خوض الإنتخابات. ولا الطائفة السنية ضائعة وفقيرة بالشخصيات ومستقيلة من دورها في إستقلال لبنان بقيادة الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح، وحماية عروبته والإعتدال فيه. أما إستقواء طائفة على بقية الطوائف، فإنه قاد في الماضي الى حروب وأزمات ويقود اليوم الى خطر الإنهيار والزوال.

ألا ينطبق على “الأقوياء” ما قاله يفغيني بريماكوف في مذكراته تحت عنوان “في قلب السلطة”: “المشكلة الأعظم عند العرب هي العجز عن التمييز بين الوهم والواقع. فهم يعتقدون أنه يكفي أن يتمنوا سير الأمور في اتجاه معيّن لكي تكون سائرة في هذا الإتجاه”؟