ما هي الرسائل “المشفّرة” في الكلام الأخير لنصرالله؟

ابراهيم بيرم – النهار

في طوايا الرسالة التي وجّهها الامين العام لـ”#حزب الله” السيد حسن نصرالله في اطلالته الاعلامية اول من امس، يتبدى مقصدان اساسيان:




الاول: دحض ما سرى قبل ايام، ربطاً بأنباء عودة سفراء ال#دول الخليجية الى بيروت، عن تعهدات وتراجعات فُرض على الحزب تقديمها وشكلت مفتاح عودة السفراء، ومن هذه “الضمانات” الكفّ عن نهج المساجلة مع الرياض على خلفية الاعتراض على حرب اليمن. وقد عاد نصرالله الى تكرار الخطاب الانتقادي عينه لمسألة “التدخل في اليمن”. وبذا يكون قد قدّم برهانا على ان لا تفاهم ضمنيا يضع حداً لاشتباكه السياسي – الاعلامي المفتوح مع بعض الدول الخليجية، ودليلا عمليا على ان حدث عودة سفراء الدول اياها الى العاصمة اللبنانية هو كما مبارحتهم لها قبل اسابيع حدثٌ يخص تلك العواصم ويرتبط بحساباتها الخاصة، ولا يعني بالضرورة تنازلات تشي بتحولات في طبيعة المشهد اللبناني ومعادلاته الصراعية المعهودة.

الثاني: ان في طيّات الاتهامات التي وجّهها نصرالله خصوصا للسفارة الاميركية ولبعض الدائرين في فلكها في الداخل اللبناني بانها قد شرعت في مسعى من شأنه ان يفضي الى فرض امر واقع يبرر تأجيل الانتخابات النيابية الموعودة، يعني ذهابا واضحا من جانبه نحو اعادة الاعتبار الى ثلاث وقائع يعلمها جيدا كل من يرصد مسار تعاطي الحزب ومقاربته للانتخابات النيابية، واستطرادا مسار الاشتباك المكشوف الذي قرر المضي به منذ نحو اشهر اربعة مع الاميركيين، وبالتحديد منذ ان صعّد الحزب بلسان سيده وبلسان القيادي الثالث فيه السيد هاشم صفي الدين ضد ما اعتبراه “تدخّلا اميركيا في الشأن الداخلي اللبناني”.
الواقعة الاولى ان الحزب أعدّ العدة لاعلان “الفوز” في المنازلة الموعودة في صناديق الاقتراع بعد ما يقرب من شهر على موعد فتحها، وانه استتباعا يأنس من قوته ويقيم على ثقة تامة من حساباته.

الثانية التحلل سلفاً من مسؤولية اي عملية تأجيل محتملة للانتخابات النيابية، وتاليا التأكيد على ان أي إرجاء محتمل لهذا الاستحقاق ليس من تدبيره او من صنعه كما روّج خصومه على مدى اشهر خلت. وبمعنى آخر، يريد سيد الحزب ان يرمي قفاز التحدي في وجه الجميع ويقول لهم ان اي تأجيل سيكون بمثابة عملية هروب من جانبكم درءا لهزيمة ستحلّ بكم وستعيد لنا اكثرية مريحة في مقاعد البرلمان المقبل على غرار الاكثرية التي حصّلناها في المجلس الحالي.

الثالثة “اننا كحزب وكمحور أعددنا العدة اللازمة لكل الاحتمالات المقبلة بما فيها مسار تأليف حكومة ما بعد الانتخابات ومخاض انتخابات الرئاسة الاولى، أي الاستحقاق المفصلي الذي سيلي حتما الانتخابات”.

ومن البديهي ان هناك ايحاء بان ثمة “أوراقا” في جعبة نصرالله يستند اليها لكي يقول كلامه الذي يتبدى انه صادر عن “نفس مطمئنة وواثقة” من الآتي قريبا.

الورقة الاولى هي عبارة عن “خلاصة حسابات انتخابية رقمية” وضعتها بين ناظريه الجهات المولجة في الحزب، وهي الخلاصة عينها التي تنطوي على توقعات لنتائج الانتخابات المرتقبة، وخلاصتها: “اننا قابضون على زمام الاكثرية في كل الحالات مهما تبدلت المعطيات وبقطع النظر عن اي تغيرات، فما كُتب قد كُتب ولا مجال للتغيير”.

اما الورقة الثانية فهي تتجسد في لقاء المصالحة الاوّلي الذي نجح نصرالله في عقده قبل ايام على مائدة افطار جمعت حليفيه رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل وزعيم “تيار المردة” سليمان فرنجية. وليس خافيا ان الحزب يتعامل مع هذا اللقاء على انه يرقى الى مقام “انجاز نوعي نادر”، خصوصا ان له صلة وثقى بترتيبات مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية المقررة مبدئيا في 15 أيار المقبل، وانه استطرادا برهان عملي على ان الحزب بات يملك القدرة على الامساك بعنصر “التحكم والسيطرة” بمشهدية الوضع لاحقا، خصوصا بعد مبارحة حليفه الرئيس ميشال عون قصر بعبدا إيذانا بانطواء صفحة ولايته الرئاسية.

ومعلوم ان كمية وافرة من حبر التحليلات والتكهنات قد أسالها المحللون وهم يحاكون هذا التطور المفاجىء ويقلّبونه على وجوهه كافة. فبعضهم قلل قيمته وأبعاده وصوّره على انه مجرد صورة ارادها نصرالله ليرد على هجمات الخصوم، وان مفعولها لن يلبث ان يتبدد امام وقائع عنيدة ستفرض نفسها عاجلا ام آجلا، فيما بذل البعض الآخر جهودا مضاعفة من اجل ان يُعلي شأن هذا الحدث ويضعه في مرتبة “التطور النوعي” الابرز الذي تشهده البلاد منذ اشهر عدة خلت.

لكن الثابت في قراءة دوائر في الحزب ان ما حصل هو نقلة نوعية مفصلية بين مرحلة انطوت صفحتها واخرى انفتحت للتو. وتقر الدوائر عينها بان ثمة جهودا استثنائية بذلها الحزب وأثقلها وضْع سيد الحزب رصيده الشخصي في ميزانها لإبرام “صفقة المصالحة المبدئية بين حليفيه المسيحيين الاقويين، وهي بدأت منذ فترة”. ومعلوم ان هذه الجهود سرعان ما كانت تضيع وتتبدد امام وقائع صلبة ابرزها:

– رهانات مضخمة كانت عند الطرفين على قوة حضور كل منهما وعدم حاجته للتعاون والتنسيق مع الآخر.

– صراع ارادات ونوع من المكابرة.

لذا فان المعطيات التي رشحت سابقا اوحت ان الحزب ترك حبل الامور على غاربه الى ما بعد قفل باب الترشيح للانتخابات واعلان اللوائح ليجد كل منهما نفسه امام وقائع صعبة بالنسبة الى حسابات كل منهما. فلا “التيار البرتقالي” عاد في وضع يتيح له الفوز الكاسح على غرار التجارب الماضية في خمس دوائر مسيحية كبرى (كسروان، جبيل، المتن، بعبدا، وجزين)، فيما “تيار المردة” الذي حصل بشقّ النفس في الانتخابات الأخيرة على كتلة من خمسة نواب مهدد بهذه الانتخابات بعدم الفوز إلا بثلاثة مقاعد،

فضلا عن ان زعيم “المردة” وجد ان خروج حليفه سابقا الرئيس سعد الحريري من السباق الانتخابي ومشهد الفعل السياسي قد افقده عنصر دعم اكيدا لبلوغ هدفه الاسمى وهو دخول قصر بعبدا نسجاً على ما جرى عام 2016.

ربما يصحّ وصف البعض المصالحة المفاجئة بين زعيمين تصارعا على مدى ما يقرب من عقد من السنين بانه “مصالحة اليائسين” الذين اصابتهم “خيبة الحسابات” فتكون بذا “مصالحة الضرورة”. ولكن الامر، على بلاغته، لا ينفي حقيقة انهما وجدا نفسيهما امام امر اساسي وهو ان عليهما وقف “حربهما” قبل ان يجدا نفسيهما خارج كل الحسابات المحلية وحسابات اللاعبين الاقليميين.

ومهما يكن من امر، فالاكيد ان نصرالله يظهر كأنه نجا من “مكمن” أُعِدّ له وقام بهجوم مضاد، وهو ينتظر ردة فعل الخصوم لان “المواجهات” لم تنتهِ بعد.