حراك دبلوماسي سعودي في لبنان يؤسس لإعادة بناء العلاقات

أجرى السفير السعودي في لبنان وليد البخاري سلسلة من اللقاءات مع عدد من القادة السياسيين في أول انفتاح دبلوماسي سعودي بعد تجاوز الخلافات، يقول مراقبون إنه يمثل انطلاقة جديدة للعلاقات السعودية اللبنانية ويبعث رسائل طمأنة للمكون السني الذي يستعد لخوض الانتخابات النيابية في مايو القادم من دون زعامات.

والتقى السفير السعودي في لبنان كلاّ من رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي الذي أعلن عن تلقيه دعوة لزيارة الرياض خلال الشهر الجاري، كما زار البخاري رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة في منزله.




وكشفت مصادر سياسية لبنانية أن البخاري أكد للسنيورة أن الرياض “تبارك الحراك الانتخابي الذي يقوم به لعدم ترك الساحة السنية خالية أمام حزب الله”.

وأشارت المصادر إلى أن عودة السفير ولقاءاته تعبير عن عدم رغبة السعودية للمقاطعة السنية للانتخابات وضرورة أن تكون الطائفة السنية جزءاً من المشهد الانتخابي، وهو ما بدأ ينعكس ارتياحاً لدى بعض القوى السياسية السنّية التي تراهن على أن يُساعد النشاط السعودي في تحفيز السنّة على المشاركة في الانتخابات والتصويت لملء الفراغ الذي خلّفه غياب رئيس الحكومة السابق سعد الحريري.

وكشفت المصادر أن البخاري سيرعى، في الفترة المقبلة، اجتماعات للمّ شمل الحلفاء الذين فرّقتهم الملفات الداخلية، وإعادة تجميعهم من جديد في مواجهة العهد وحزب الله، تمهيدا لفترة ما بعد الانتخابات وربطا بالتحولات التي تشهدها المنطقة

وأعلن رئيس الحكومة اللبنانية أنه “سيزور السعودية قريبا وخلال شهر رمضان المبارك”، مضيفا “نأمل بإذن الله أن تكون صفحة جديدة نحو تنمية العلاقات وتطويرها بين البلدين”.

وردا على سؤال، قال ميقاتي “لم أشعر يوما بأن المملكة العربية السعودية أغلقت أبوابها أمامي وأمام أي لبناني، فنحن نعلم تماما أن اللبنانيين الموجودين في المملكة العربية السعودية محاطون بكل رعاية واهتمام من قبل القيادة”.

وعن الضمانات التي قدمها لبنان إلى المملكة العربية السعودية، قال ميقاتي “نحن نتحدث عن علاقات بين دولتين، والبيان الذي أصدرته عن حرص لبنان على العلاقات والثوابت اللبنانية في ما يتعلق بأفضل العلاقات مع السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي هي الأساس كدولة، فالعلاقة بين الدولتين ستكون بإذن الله مبنية على هذه الأسس. إني حريص على العلاقات وتمتينها أكثر فأكثر”.

وأضاف “لقد أكدت في بياني الثوابت، وأننا ملتزمون بكل ما يحمي سيادة لبنان، وفي الوقت ذاته ألا يكون لبنان منصة أو مصدر إزعاج لأي دولة من دول مجلس التعاون الخليجي، فهذا هو الأساس”.

ويمهد الانفتاح السعودي لأرضية جديدة في لبنان، إلا أنّ وضوح الصورة بشكل أكبر يتطلب الانتظار بعض الوقت، لمعرفة معالم التوجهات الجديدة للمملكة التي غادرت انكفاءها مؤخرا، عبر تقديم الدعم الإنساني للجهات غير الحكومية اللبنانية.

وسيبدأ في وقت قريب عمل الصندوق السعودي – الفرنسي لدعم لبنان الذي تقرر في الاجتماع، الذي عُقد بين وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الفرنسي جان إيف لودريان مؤخرا، بعدما تبرعت المملكة بـ36 مليون دولار عبر مركز الملك سلمان للإغاثة، وستصرف المساعدات للمؤسسات الإنسانية غير الرسمية.

وتقول مصادر سياسية لبنانية إن عودة الدعم السعودي إلى البنان، وحتى إن اقتصر حاليا على البعد الإنساني، يحمل إشارات إيجابية يجب البناء عليها من أجل أن تعود الرياض للعب دورها المعتاد والتاريخي في إنقاذ البلاد من شبح إفلاس بات يتهددها.

وأعلنت السعودية الأسبوع الماضي عودة سفيرها إلى لبنان، في مؤشر على تحسن العلاقات التي وصلت إلى أدنى مستوى لها العام الماضي، عندما سحبت المملكة ودول خليجية أخرى السفراء.

وزاد الصدع في علاقات لبنان مع دول الخليج من الصعوبات التي يواجهها، في الوقت الذي يكافح فيه أزمة مالية وصفها البنك الدولي بأنها من أشد حالات الركود المسجلة على الإطلاق.

ووصلت العلاقات إلى مستويات متدنية جديدة في أكتوبر الماضي، بعد أن انتقد وزير لبناني سابق التحالف العسكري الذي تقوده السعودية في اليمن ضد المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران.

ويدعم حزب الله طهران في صراعها الإقليمي على النفوذ مع دول الخليج. ولدى حزب الله جناح مسلح أقوى من الجيش اللبناني ويدعم حلفاء موالين لإيران في المنطقة، ومن بينهم في سوريا. كما تمارس الجماعة وحلفاؤها نفوذا كبيرا على سياسة الدولة اللبنانية.

الانفتاح السعودي على لبنان يمثل جرعة دعم للمكون السني الذي يعاني من الارتباك والضعف بعد خسارته للدعم السعودي بسبب عدم التزام قياداته السياسية بالتعهدات السابقة التي قطعتها للرياض

وتشدد الرياض على عنوانين أساسيين لإعادة بناء الثقة: الأول هو التأكيد على أن الأزمة هي بين الشعب اللبناني وحزب الله، على أساس أن مصدر التوتر يتمثل في هيمنة الأخير على الساحة السياسية، أما الثاني فهو ضرورة حصول إصلاحات حقيقية، بالتزامن مع حثّ القوى السياسية على مواجهة الحزب الموالي لإيران.

وكانت السعودية ودول الخليج الثرية يوما من الدول المانحة السخية للبنان، لكن العلاقات توترت لسنوات بسبب تنامي نفوذ جماعة حزب الله المدعومة من إيران.

وتشكل العودة السعودية متنفسا سياسيا للسنة الذين يستعدون لخوض الانتخابات دون زعامات بعد انكفاء الحريري، إذ أدى الانكفاء السعودي إلى إضعاف المكون السني الذي يعيش حالة من الارتباك.

ويقول مراقبون إن الانفتاح السعودي على لبنان في هذه المرحلة يمثل جرعة دعم للمكون السني الذي يعاني من الارتباك والضعف، بعد خسارته للدعم السعودي بسبب عدم التزام قياداته السياسية بالتعهدات السابقة التي قطعتها للرياض، والتي تقضي بتحجيم دور نفوذ حزب الله ونزع سلاحه.

ويرى هؤلاء أن انكفاء زعماء السنة عن خوض الانتخابات البرلمانية (سعد الحريري، فؤاد السنيورة، سلام تمام) يفتح الباب أمام التغيير، وقد يفرز قيادات سنية جديدة تقطع مع الفشل الذي رافق الزعماء السابقين، الذين تعهدوا مرارا للرياض بتحجيم نفوذ حزب الله وحصر سلاحه ولم يتقيدوا بذلك.

وتنتظر السعودية من القيادات السنية المستقبلية الالتزام بتعهداتها تجاه الرياض، لا الاقتصار على الأقوال في كل مرة يحتاج فيها لبنان إلى الدعم المالي والاستثمارات.

وبذلت الرياض كل ما في وسعها على مدى سنوات مضت لدعم لبنان وحث الفرقاء على منع ارتهانه إلى أيّ جهة خارجية، لكن اللبنانيين ظلوا ينظرون إلى المملكة كجهة مهمتها ضخ الأموال وتحريك الاقتصاد والسياحة دون أيّ التزام سياسي تجاهها، وهو خيار لم يعد يتماشى مع سياستها الجديدة.

وقدّمت المملكة المليارات في سبيل إعادة إعمار لبنان بعد الحرب الأهلية (1975 – 1990)، لكنّها بدت في السنوات الماضية غاضبة جراء فشل القادة السياسيين في كبح جماح حزب الله المسلّح والنافذ، المدعوم من إيران.