سمير عطا الله

أطفأ لبنانه وغفا – سمير عطالله – النهار

كان طويلاً عريضاً مثل مضرب المثل. عريض الصدر، عريض الجبين، عريض المنكبين، عريض الشاربين، مثل قارعي الاجراس في القرى. وعريض ابتسامة لا تغيب. وكان لا يتعب من التعريف بنفسه، سواء لمن يلتقيه للمرة الأولى، أو للمرة الألفين: “محسوبك #فارس اسطفان من غسطا كسروان، جبل لبنان، كيفك يا حنون”.

وكان يمسّد شاربيه بلا انقطاع، بيده العريضة، يلمع فيها خاتم كأنه مأخوذ من كنوز الملك سليمان في رواية ريتشارد هاغر للأطفال. وكان عملاقاً في حجم هرقل، وقلباً في حجم الوطن والمهجر. كأن تقول زوربا ولكن على ميناء نيويورك وليس على ميناء كريت. وكان كثير البسمات، قليل المفردات، بالعربية والفرنسية والإنكليزية. وقد خلط منها لغة كريول جديدة، كما فعل الأفارقة بالفرنسية. فإذا اراد ان يسخر من رجل يدّعي البراءة من ذلّ النساء، قال ضاحكاً: “قديشك يا حنون. Infant des Coeurs، (Enfant de Coeur) بمعنى براءة الاطفال، ولكن بتهجئة فارس اسطفان من غسطا، كسروان، جبل لبنان.




الفرنسية، فرنسيته، كان يستخدمها فقط في الدعابة. يمسّد شاربيه ساخراً ويقول لضحيته: “كَ حنون. اش بك كاشش. نزّللي ها Accen Te Gues عن ضهرك”.

لم تعرف اللهجة الكسروانية عزاً مثل عز فارس: “يا زلمي مِن تحكي مِتل أهل حراجل”. أو “اش اسمو هاد صاحبك بتاع الإمم المِتحدة”. وعندما أوضح له ان اسمه بطرس غالي باشا، ينرفز ويفرك شاربيه عالياً: لا هَن (هون) كَ حنون أفِهش (ما في) باشوات ولا بكوات. حتى مستر بطْلوها”.

قاموس مختصر وطيّوب وحبّوب، كان قاموس فارس آخر صحافيي المهجر الاميركي. ولم يكن كاتباً بل ناشراً. وكان صاحب وكالة سفر ناجحة يصرف ما يربحه فيها على ما يخسره في “الهدى” وزميلتها الانكليزية. والباقي من الأرباح كان يصرفه على المقطوعين القادمين من لبنان وما تبقّى على “مطعم بيروت” ونسوان الولايات المتحدة، بتسكين جميع الأحرف، خوف الغلط. ولم يكن يشرب نخب ضيوفه بالكأس: “برميلك يا حنون”. وبعد “البراميل” يقود سيارته اللنكولن الفخمة الى منزله في نيوجرسي. ولطالما دخلت اللنكولن في “نفق اللنكولن تانل” من باب الخروج. كان يحل المشكلة مع الحارس بكلمة سرّ لا تخطىء المفعول “قديش قياس المدامCousin “. لأن المدام تكون دائماً في حاجة الى ثمن فستان جديد. وليس هناك من يعرف هذه المعضلة مثل الحنون. اما إذا كانت الحارسة امرأة، فكان الحنون يناديها Honey ويمسّد شاربيه. وسألته مرة لماذا ينادي جميع النساء Honey، ففتل شارب اليسار، دلالة الخطورة، وقال بكل جديّة: “ك حنون، أش بدّك نسميهن بعد الاربعة الصبح”.

حقاً، أش؟

مع غياب فارس الاسبوع الماضي في غسطا، غابت صورة لبنان الماضي بشجاعته ووسامته وفروسيته وكرمه ونبله ولهفته. ويخامرني شك بأنه عاد الى غسطا لكي يكون على مقربة من سيدة حريصا وشفاعتها، عندما تداعبه لحظة الغياب وتوقظه كي يذهب الى النوم الأبدي.
لم اعرف لبنانياً، في المهجر وفي المسقط، مثلما كان فارس. رجل كثير الحسنات، لم يعصِ من الخطايا، الصغرى والكبرى، سوى وصية واحدة من العشر. وهذا رقم قياسي في البشر. وكان له عمّ جليل فائق الفكر والاحترام، هو المونسنيور جوزف اسطفان، الذي ظل يحكي بالفصحى حتى اليوم الأخير. وقلت له مرة في ابرشية نيويورك: كم هو فارس سعيد الحظ. هو يخطىء وحضرتك تتشفع له. وكان الرد، بكل جدية ووقار: “المشكلة في هفوات فارس، ليست نوعيتها، بل كمّيتها”. وتدخّل فارس، ما بين الاعتراض والاستفسار: أش مِن يقول عمي المونسينيور؟

الحقيقة الوحيدة في حياة فارس، كانت لبنان. ولبنانه كان على بعل، يرفض ان يراه من وقائعه واصوله. والعرب امثالنا كانوا مارقين أو ضالين في احسن الأحوال. وعندما كان شاباً اشترى جريدة “الهدى” من ورثة نعوم مكرزل، اشهر صحف المهجر، من اجل ان تبقى صحافة الاغتراب حيّة. وأقام في نيويورك للمناسبة مهرجاناً كان ضيفه الرمز الشيخ بيار الجميل، لكي لا يخطىء احد في تفسير هوية “الهدى” الجديدة.

وكان من معالمها الاستاذ فؤاد الخوري، الباقي من ولاية آل مكرزل، يكتب الافتتاحية ويصفّ الاحرف ويصحح الجريدة، ويرسلها الى الطبع. وفي النهار كان الاستاذ فؤاد يعمل مترجماً في محكمة بروكلين، حيث يمثُل المهاجرون اليمنيون في نزاعاتهم حول مَن هو مِن تميم، ومن هو من العاربة، ومن هو من المستعربة. لكنهم امام الشرطة كانوا جميعاً من حي لونغ بريدج.
وقبل ان ينتقل الاستاذ فؤاد الى “الهدى” صفّيف أحرف، وكاتب افتتاحيات، ومستشاراً للناشر، عمل طويلاً مع ايليا ابي ماضي في “السمير”. وروى لي ان جبران خليل جبران كان يتحاشى السلام عليه، “وعندما نلتقي في السوق، يذهب الى الناحية الثانية”.

كانت الاحرف في “الهدى” لا تزال تنضّد كما كانت ايام جبران وأبي ماضي. ولكن فارس كان مصرّاً على صدورها وعلى خسائره. ورفض ان يقتنع بأن عهد “الرابطة القلمية” في نيويورك قد مضى، وجبران مات، ونعيمة عاد الى “الشخروب”، وأن الصحافة تُطبع الآن في لحظات على “الفاكسيميلي” من قارة الى قارة.

وما بين الاهتمام بكل لبناني يقصده و”برميلك يا حنون” و”قديشك حلوه Honey تعي قرّبي تا شوف”، كان تغير هائل يحصل في عالم الصحافة. مكان الصحافة الارتيزانية الباقية من القرن التاسع عشر، صارت “الشرق الأوسط” تباع كل صباح في مدن اوروبا واميركا. وفيما يبخل المهاجرون على “الهدى” باشتراك من 20 دولاراً، صارت الصحافة العربية العابرة للقارات تدرّ الملايين وتكلف الملايين. وارتفعت التكاليف على فارس، فيما ادّت حرب لبنان الى خفض السفر، وبالتالي المداخيل. وعاند لا يريد تغيير شيء في حياته او في عمله. أو برميلك يا حنون. او دخول “اللنكولن تانل” من بوابة الخروج. مَن يولد زوربا يبقى زوربا، كريت أو كسروان: “تعا سماع صاحبك اش مِن يطلب مني. شو انا عم بيع تفاح بحراجل”.

لا ادري لماذا كان فارس يحيل كل شيء على حراجل. كانت جزءاً من قاموسه خفيف الظل، وهي صفة كانت شائعة قديماً في الديار الكسروانية. الجزء الأكبر من حياته كرّسه للبنان، وفي مرحلة ما ظن ان خلاصه متوقف عليه. وفي النهاية خذله لبنان وخذلته صناعة السفر وخذلته “الهدى”، فيما كانت زوجته الصابرة تبني له عائلة ممتازة. وهكذا، انتقل للتقاعد في غسطا، كسروان، جبل لبنان، من دون ان يتخلى عن خاتمه الزمردي أو شاربيه او القامة الهرقلية.
آخر مرة التقيته قبل بضع سنوات، شكا من مقالتي: “كَ حنون عم نقراك. بس بدي اقرا مرتين حتى افهم أش مِن تقول. لش ابتنزلش هال Accen Te Gues عن ضهرك شي شوي”.

برميلك ك حنون.