هل ينجح ميقاتي حيث فشل الآخرون… وبدعمٍ مِن مَن؟

سركيس نعوم – النهار

لا شكّ في أن إصرار رئيس الحكومة #نجيب ميقاتي على متابعة حكومته الحوار والمناقشة مع #صندوق النقد الدولي كان له الأثر الكبير في تجاوز الكثير من العقبات التي اعترضته منذ بدء الكلام عنه، كما منذ بدء البحث معه فعليّاً في حقيقة الوضع اللبناني المُنهار ماليّاً واقتصاديّاً ومصرفيّاً وفي حقيقة وضع مصرف لبنان ودوره في الانهيار المذكور ودور الدولة كلّها فيه أيضاً. لا شكّ أيضاً في أن رغبة صندوق النقد الدولي في مساعدة لبنان على إنقاذ نفسه كانت كبيرة. لكن لا شكّ أخيراً في أنّ تمسّك الصندوق بمهمّته الإنقاذيّة رغم العوائق التي وضعتها أمامه جهات لبنانيّة عدّة اقتناعاً منها بأنّ اقتراحاته الإنقاذيّة ستكون مؤذية ليس فقط للبنانيّين بل لها أيضاً، إذ إنّها ستضطرّها في وقت ما إلى قبول إصلاحات متنوّعة تعرف تماماً أنّها ستُثير الغضب الشعبي عليها ولا سيّما بعدما تمادت في اعتبار الدولة “ملجأً” للعاطلين عن العمل من غير الأكفاء، وتكيّة للفساد والفاسدين والمُفسدين، وأداةً لتحقيق كلّ أنواع الربح الحرام.




في هذا المجال تُفيد المعلومات المتوافرة بعد توقيع حكومة لبنان مذكّرة تفاهم مبدئيّة مع صندوق النقد الدولي الأسبوع الماضي، أنّ رئيس الحكومة كان “واضعاً يده على قلبه” كما يُقال طيلة مدّة البحث التي استغرقت وقتاً غير قصير. ذلك أنّه كان خائفاً من تعطيل المُتضرّرين من تدخّل الصندوق سواء لأسباب مبدئيّة بعضها مُبرّر أو لأسباب مصلحيّة لا مبرّر لها أخلاقيّاً ووطنيّاً ودينيّاً وحتّى مذهبيّاً. ولم يطمئنّ قلبه كما يُقال إلّا في اليوم السابق لتوقيع مذكّرة التفاهم، إذ تأكّد بواسطة أقنيته أنّ رئيس الجمهوريّة و”تيّاره” وافقا على المذكّرة بعدما كانا غير متحمّسَين لها، وكانا يعتقدان أنّ حليفهما الأوّل بل راعيهما وحاميهما ومزيل العقبات من أمامهما في أكثر من استحقاق وآخرها الانتخابات النيابيّة المُقرّرة في الخامس عشر من الشهر المقبل، أي “حزب الله”، لا تُناسبه الإصلاحات سواء قبل الانتخابات أو بعدها، إذ إنّها تخفض شعبيّته وتفتح باب التدخُّل الأميركي بل الغربي المُباشر في أوضاع لبنان من خلال النقد والاقتصاد. وفي ذلك خطرٌ كبير على دورَيْه الداخلي والإقليمي. لكنّ تخلّي الحليف المذكور عن تحفّظه المُطلق على التعاون مع صندوق النقد لم يترك لحليفيه المذكورين سوى خيار القبول فكان توقيع المذكّرة.

طبعاً لم يعنِ ذلك أبداً أنّ “حزب الله” أعطى ما يُسمّى بالفرنسيّة “كارت بلانش” للصندوق مع حريّة تصرّف مُطلقة في الوضع اللبناني انطلاقاً من تكليفه وضع خطّة إصلاحيّة شاملة ومُكلفة شعبيّاً له ولغيره من الأطراف السياسيّين سواء في الداخل اللبناني كما في الإقليم. لكنّه على ما أوضح أحد نوّابه حسن فضل الله أواخر الأسبوع الماضي، أكّد أنّه سيُتابع كلّ شيء ويدرس كلّ اقتراح ويقبل ما يراه مُناسباً للبلاد ومصالحه ويرفض ما يراه مؤذياً لهما.

طبعاً ربّما تؤخِّر الانتخابات النيابيّة القريبة تنفيذ لبنان الخطوات الإصلاحيّة المطلوبة منه، وربّما يؤخّر لاحقاً استحقاق الانتخابات الرئاسيّة الأمر نفسه. لكنّ ذلك كلّه لا يعني العودة إلى نقطة الصفر. فالتزام صندوق النقد ثابتٌ ومستمرّ. وقد بدا ذلك واضحاً من الاجتماع الذي عقده الرئيس ميقاتي في أثناء زيارته الأخيرة لدوحة قطر مع رئيسة صندوق النقد الدولي التي كانت في زيارة رسميّة لها، ومن الحفاوة التي استقبلته بها كما من جديّة المباحثات التي أجرياها. في نهاية الاجتماع وجّهت رئيسة الصندوق دعوة رسميّة إلى ميقاتي لزيارة واشنطن ربّما بعد انتهاء شهر رمضان المبارك ولعقد اجتماعات معها كما مع سائر المسؤولين المعنيّين فيه بالموضوع اللبناني.

ما أسباب نجاح ميقاتي وإن المبدئي حتّى الآن رغم أنّ أوضاع لبنان لا تزال على صعوباتها بل انسدادها واستعصائها على أيّ حل؟ المعلومات المتوافرة عند جهات داخليّة جديّة وأخرى ديبلوماسيّة غربيّة واسعة الاطلاع تُشير إلى اقتناع كبار المجتمع الدولي وتحديداً الغربيّ منه بضرورة وضع لبنان ومشكلاته المعقّدة على طريق الحلّ، كما تشير إلى اتفاقهم على خطوات مُعيّنة للبدء بذلك. وفي مقدّم الجهات المُشار إليها أميركا المعنيّة بلبنان ولكن من دون قدرة وربّما رغبة في الانخراط عمليّاً في مساعدته لانشغالها بقضايا وأزمات دوليّة عدّة سياسيّة واقتصاديّة وأخيراً عسكريّة تُهدّد الأمن الغربي كلُّه بل أمن العالم (حرب روسيا على أوكرانيا منذ 24 شباط الماضي)، ثمّ فرنسا، إذ انخرط رئيسها ماكرون منذ انتخابه قبل نحو 5 سنوات ولا سيّما منذ انفجار مرفأ بيروت أو تفجيره في 4 آب 2020، على نحو واسع، في محاولة مساعدة لبنان على معالجة آثار هذه الكارثة وعلى إقناع “أمراء لبنان” بعد اجتماعه بهم في قصر الصنوبر ومُتابعة مُمثّليه في بيروت وباريس البحث معهم في أفضل الوسائل لتسوية الوضع اللبناني المتفجّر ووضعه لاحقاً على طريق التعافي. طبعاً استمرّ التشاور والتعاون بين الدولتين الحليفتين في الموضوع اللبناني، وتوصّلا بنتيجتهما إلى اقتناع “بأنّنا لم يعُد في إمكاننا الاعتماد على المجتمع المدني في لبنان رغم رهاننا عليه وبذلنا جهوداً مهمّة جدّاً لمساعدته”، وإلى اقتناع آخر “بعدم إمكان الاعتماد على الرئيس سعد الحريري للإنقاذ بعدما تسبّب لنا بخيبة كبيرة أو ربّما بأكثر من خيبة”، إذ أعطيناه الكثير ولا سيّما في مؤتمر “سيدر” وبعده، لكنّه لم يكُن “على قدّ الحمل” فضلاً عن انخراطه مع آخرين في أمور غير جديّة.

هذه التطوّرات والوقائع كلّها دفعت واشنطن وباريس إلى التركيز على ميقاتي قبل ترشيحه لرئاسة الحكومة ثمّ إيصاله إليها.

كيف تمّ ذلك؟