د. فيصل القاسم - القدس العربي

نظام دولي جديد: هل ينقذ النخّاسُ من نخّاسِ؟ – د. فيصل القاسم – القدس العربي

لا شك أن العالم يحكمه نظام ديكتاتوري قذر ليس منذ انهيار الاتحاد السوفياتي عام ألف وتسعمائة واحد وتسعين، عندما سقط النظام القطبي واستفردت أمريكا بقيادة العالم، أو ما أسماه الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب وقتها بالنظام الدولي الجديد. العالم تحكمه الديكتاتورية الدولية وفي واقع الأمر منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وتقاسم المنتصرين لمناطق النفوذ بعد مؤتمر يالطا الشهير حيث شاهدنا رؤساء الدول المنتصرة بالحرب وهم يشربون نخب توزيع أشلاء العالم فيما بينهم. تشيرتشل إلى جانب ستالين وروزفلت. منذ ذلك الحين والعالم يخضع لديكتاتورية المنتصرين الذين تقاسموا النفوذ فيما بينهم، هذا القسم لك وذاك لي. وقد تحول العالم إلى معسكرين، حتى لو كانا متنافسين، إلا أنهما كانا يتعاملان مع الدول التي تقع تحت سيطرتهما ونفوذهما معاملة للسيد للتابع. الاتحاد السوفياتي كان يتحكم بأوروبا الشرقية وبقية الدول التي وقعت تحت نفوذه بموجب مؤتمر يالطا، وأمريكا تحكم قبضتها على الدول التي كانت من نصيبها بموجب الاتفاق مع السوفيات. ورغم الصراع بين المعسكرين بعد الحرب، إلا أنهما ظلا يحترمان بنود القسمة، فلا أمريكا تقترب من مناطق النفوذ السوفياتي ولا السوفياتي يقترب من المناطق الخاضعة للعصا الأمريكية. حتى أن الروسي عندما غزا سوريا في عام ألفين وخمسة عشر كان يعتبر سوريا جزءاً من ممتلكات الإمبراطورية السوفياتية البائدة بضوء أخضر واعتراف أمريكي غير مباشر.

ماذا يستفيد العرب الذين يصفقون لروسيا والصين ويريدونهما أن تكونا جزءاً من نظام دولي جديد؟ هل سيحصلون على مزيد من حقوقهم المسلوبة أمريكياً وإسرائيلياً، أم يريدون فقط تغيير الكفيل أو النخاس؟




ولا ننسى أن أعتى ديكتاتورية دولية شهدها التاريخ تمثلت بمجلس الأمن الدولي الذي يسيطر عليه خمس دول منذ الحرب العالمية الثانية. وقد اعتبره السياسي والمفكر البريطاني الراحل توني بن أسوأ أنواع الاستبداد الدولي، فالجمعية العامة للأمم المتحدة للدول التابعة للمعسكرين، ومجلس إدارة العالم لخمس دول فقط، أمريكا وروسيا وبريطانيا والصين وفرنسا. أما ما شهدناه لاحقاً كحركة عدم الانحياز، فكانت بالاسم فقط، بينما على أرض الواقع فقد كانت أمريكا والسوفيات يتقاسمون دول تلك المنظمة السخيفة بطريقة لا تخطئها عين، حيث كان الانحياز واضحاً إما للسوفياتي أو للأمريكي، رغم الجهود التي بذلها الزعيمان الهندي والمصري الراحلان نهرو وعبد الناصر لخلق كتلة مستقلة عن المعسكرين الغربي والشرقي.
اليوم عادت الأصوات من جديد تتعالى وخاصة لدى الروس والصينيين لإعادة تشكيل النظام الدولي الجديد وانتزاع القيادة من أيدي الأمريكيين الذين يحكمون العالم بمفردهم منذ انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991. وقد جاء الغزو الروسي لأوكرانيا في هذا الإطار. ويعتبر الرئيس الروسي بوتين حربه ضد الأوكرانيين في سبيل تحرير العالم من الهيمنة الأمريكية شيئا يدعو للضحك والسخرية طبعاً، فكيف تحرر العالم وأنت تمارس الإبادة والتدمير والتهجير لملايين الأوكرانيين بحجة خلق نظام دولي جديد؟ وهذا يقودنا إلى السؤال الرئيسي: ما فائدة النظام الدولي الجديد القائم على متسلط واحد إذا كان سيدخل عليه متسلطون جدد كالصين وروسيا؟ يعني بدل أن يتحكم بالعالم قوة واحدة وهي أمريكا يريد الروس والصينيون أن يتقاسموا مع أمريكا أشلاء العالم باختصار شديد، مع العلم أن روسيا والصين تمتلكان أحد أسلحة الهيمنة والتحكم الدولي منذ الحرب العالمية الثانية، ألا وهو حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي، بحيث تستطيع روسيا والصين تعطيل أي قرارات دولية تريد أمريكا فرضها هنا وهناك. وقد بدا ذلك فاقعاً في القضية السورية حيث استخدمت روسيا والصين الفيتو مرات ومرات لمنع أمريكا من فرض قرارات دولية على النظام السوري. بعبارة أخرى، فإن النظام الدولي القديم الذي كان قائماً قبل سقوط الاتحاد السوفياتي لم يسقط تماماً، وظل يعمل كالسابق داخل مجلس الأمن حتى لو بفعالية أقل بسبب اضمحلال النفوذ الروسي في العالم بعد تفكك الاتحاد السوفياتي. ولا ننسى أن الصين باتت تسيطر على أجزاء كبرى من العالم بعيداً عن الأضواء منذ سنوات وسنوات؟ ألم تبن الصين قواعد اقتصادية وعسكرية لها في آسيا وأفريقيا تمهيداً لابتلاعها لاحقاً؟ ألم تبن الصين شبكات نفوذ حول كل بئر نفط في العالم الثالث وخاصة في آسيا وأفريقيا؟ ألم تكن سياسة القروض والديون الصينية أحد وسائل الاستعمار الصيني الجديد للدول النامية؟ ألم يصبح العديد من البلدان في العالم الثالث مرهوناً عملياً لعصا الديون الصينية؟ أليس ما يسمى بطريق الحرير أحد أذرع الهيمنة الصينية التي تزحف ببطء على العالم منذ سنوات؟
ماذا تريد الصين وروسيا من النظام الدولي الجديد إذا مازالتا ضمن مجلس إدارة العالم في الأمم المتحدة؟ هل تريدان فعلاً قيام نظام دولي ديمقراطي وعادل بعيداً عن ديكتاتورية العم سام، أم تريدان فقط مزيداً من النفوذ والتمدد في العالم؟ إذا كانت الصين وروسيا صادقتين فعلاً في توسيع ساحة صنع القرار الدولي، فهل تقبلان مثلاً بأعضاء جدد في مجلس الأمن الدولي من الدول الصاعدة أو النامية الكبرى كتركيا أو البرازيل أو اندونيسيا أو الهند أو باكستان أو مصر؟ لا أعتقد أن الصين وروسيا تقبلان بأعضاء جدد في النادي الدولي الذي يدير المعمورة ويتحكم بشؤونها من خلال حق النقض.
والسؤال الأهم ماذا يستفيد العرب الذين يصفقون لروسيا والصين ويريدونهما أن تكونا جزءاً من نظام دولي جديد؟ هل سيحصلون على مزيد من حقوقهم المسلوبة أمريكياً وإسرائيلياً، أم يريدون فقط تغيير الكفيل أو النخاس؟ ما الفائدة أن أخرج من تحت العباءة الأمريكية إلى تحت العباءة الصينية أو الروسية؟ هل سيكون الروسي أكثر رحمة معي، أم إنه يريد فقط أن يقتطع قسماً أكبر من الكعكة الدولية على أشلاء العالم؟ هل سيكون النظام الدولي الجديد الذي يصفق له بعض العرب إحقاقاً للحق والعدالة في العالم، أم سيكون بمثابة “يالطا” اثنين لإعادة تقاسم النفوذ في هذا الكوكب؟ هل سنكون نحن شركاء للمتصارعين على العالم، أم إننا في كل الأحوال مجرد فرائس، إذا لم يفترسنا الأمريكي سيفترسنا الدب الروسي أو التنين الصيني؟
باختصار، إذا نجحت روسيا والصين في كسر الهيمنة الامريكية على القرار الدولي وخلق نظام دولي جديد سيكون لدينا عندئذ ديكتاتوريتان دوليتان بدل ديكتاتورية امريكية واحدة، أي سيكون هناك اقتسام جديد للعالم، أمريكا تأخذ قسماً، وروسيا والصين تأخذان قسماً آخر كما كان الحال أيام الاتحاد السوفياتي، يعني بدل نخاس واحد يصبح لدينا ثلاثة نخاسين.
ثم ماذا يمكن أن تقدم روسيا للعالم؟ وماذا يمكن أن تقدم الصين؟ باختصار شديد، إذا تخلصتم من آكلي لحم الخـنزير سيأتيكم آكلو لحوم الخفافيش والصراصير والكلاب. “نرجو الخلاص بغاشم من غاشم، لا ينقذ النخاس من نخاس”.
شيل عمي شيل