لبنان أمام العقبة الأهم لنيل مساعدة صندوق النقد

شكل إعلان صندوق النقد الدولي عن التوصل إلى مسودة اتفاق تمويل مع لبنان خطوة مهمة للبلد الذي يعاني من أزمة حادة، لكن بيروت بحاجة إلى تفعيل حزمة من الإصلاحات الاقتصادية أولا قبل أن يبت المجلس التنفيذي في المصادقة على الصفقة.

وأعلن الطرفان الخميس الماضي عن توصلهما إلى اتفاق مبدئي على برنامج تصحيح اقتصادي ومالي تحت اسم “التسهيل الائتماني الممدد” بشأن تمويل بقيمة 3 مليارات دولار يصرف على مدى أربع سنوات.




ولم يحدد الصندوق جدولا زمنيا للاتفاق على البرنامج، لكنه أشار في بيان إلى أن “السلطات تدرك الحاجة إلى الشروع في إصلاحات في أسرع وقت ممكن”.

وأعد لبنان برنامج إصلاح واسع بمساعدة الصندوق بهدف إعادة تحفيز النمو المشلول وتوفير فرص عمل للناس ووضع البلد على سكة التعافي والنهوض بالقطاعات الإنتاجية.

وانكمش الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بأكثر من 60 في المئة خلال العامين الماضيين وانهار سعر صرف الليرة أمام الدولار ووصل التضخم إلى مستويات عالية وارتفع معدل الفقر إلى 82 في المئة.

وفي أول تعليق على الاتفاق اعتبر حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة الجمعة أن الكرة الآن بملعب الحكومة التي يجب أن تثبت أن لديها عزيمة لتنفيذ اشتراطات صندوق النقد.

وقال سلامة لوكالة رويترز “نأمل في تلبية الشروط المسبقة التي يضعها الصندوق من أجل الحصول على موافقة مجلس إدارته على البرنامج”، واصفا الاتفاق بأنه “حدث إيجابي للبنان”.

وأشار حاكم المركزي الذي تعاون وسهل هذه المهمة إلى أن “الاتفاق مع الصندوق سيسهم في توحيد سعر الصرف”.

ويُنظر إلى الاتفاق مع الصندوق على نطاق واسع على أنه أمر حيوي للبنان كي يشرع في الخروج من انهيار اقتصادي ومالي شل مناحي الحياة به منذ عام 2019.

وأدت الأزمة المالية إلى تجميد ودائع المدخرين وانهيار قيمة العملة، وتسبب في ارتفاع نسبة الفقر، في أسوأ أزمة يشهدها لبنان منذ الحرب الأهلية التي دارت رحاها من 1975 إلى 1990.

وقال إرنستو راميريز ريغو رئيس بعثة الصندوق إن “لبنان يواجه أزمة غير مسبوقة أدت إلى انكماش اقتصادي عنيف وزيادة كبيرة في معدلات الفقر والبطالة والهجرة”.

وأوضح أن هذه الأزمة هي مظهر من مظاهر الضعف العميقة والمستمرة الناتجة عن سنوات عديدة من سياسات الاقتصاد الكلي غير المستدامة التي تغذي عجزا مزدوجا كبيرا ماليا وخارجيا.

ويتوقف الاتفاق على إجراء بيروت لإصلاحات تشمل خطوات فشل زعماؤها السياسيون في تنفيذها منذ اندلاع الأزمة، مثل كيفية تحديد المتسبب في خسائر النظام المصرفي البالغ حجمها 70 مليار دولار.

وتشمل الإجراءات خطة للتصدي للخسائر الفادحة في النظام المالي الذي انهار عام 2019 بسبب الديون العامة الهائلة التي تراكمت بسبب فساد وهدر على مدى عقود.

وتتضمن الإجراءات موافقة البرلمان على تعديل قانون السرية المصرفية واستكمال تدقيق وضع الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي “والشروع في تقييم مدعوم من الخارج لأكبر 14 بنكا كل على حدة”.

ولنيل القرض تحتاج الحكومة إلى تنفيذ خمسة أولويات والتي تعتبر أعمدة رئيسية للاتفاق مع الصندوق أولها إعادة هيكلة القطاع المالي لاستعادة قدرة البنوك على البقاء وقدرتها على تخصيص الموارد بكفاءة لدعم التعافي. أما النقطة الثانية فتتعلق بإنشاء نظام نقدي يتسم بالمصداقية والشفافية.

وقال الصندوق إن الحكومة اللبنانية يجب أن توافق على استراتيجية هيكلة القطاع المصرفي “تعترف بالخسائر الكبيرة في القطاع وتعالجها مقدما، بينما تحمي صغار المودعين وتحد من اللجوء إلى الموارد العامة”.

أبرز أعمدة الاتفاق

  • هيكلة القطاع المالي لاستعادة قدرة البنوك على التعافي
  • إنشاء نظام نقدي يتسم بالمصداقية والشفافية
  • الاستثمار في الإنفاق الاجتماعي والإعمار والبنية التحتية
  • إصلاح المؤسسات المملوكة للدولة خاصة في قطاع الطاقة
  • تعزيز أطر الحوكمة ومكافحة الفساد وتحديث الإطار القانوني للبنك المركزي

وتشمل الركيزة الثالثة ضمان تنفيذ الإصلاحات المالية المقترنة بإعادة الهيكلة المقترحة للدين العام الخارجي مع القدرة على تحمّل الديون وخلق مساحة للاستثمار في الإنفاق الاجتماعي وإعادة الإعمار والبنية التحتية.

وقال الصندوق “يتعين على الحكومة الموافقة على استراتيجية إعادة هيكلة المالية العامة والديون، وهي ضرورية لاستعادة القدرة على تحمل الديون”. وتخلف لبنان عن سداد ديونه السيادية، من بينها سندات دولارية قيمتها 31 مليار دولار في مارس 2020. أما المحور الرابع فيتعلق بإصلاح المؤسسات المملوكة للدولة وخاصة في قطاع الطاقة لتقديم خدمات عالية الجودة دون استنزاف الموارد العامة.

ويمثل تعزيز أطر الحوكمة ومكافحة الفساد وغسيل الأموال لتعزيز الشفافية والمساءلة، بما في ذلك عن طريق تحديث الإطار القانوني للبنك المركزي وترتيبات الحوكمة والمساءلة وإزالة العوائق التي تحول دون نمو خلق فرص العمل النقطة الخامسة في الاتفاق.

وسيشمل ذلك توحيد المركزي لأسعار الصرف، والتي يوجد العديد منها حاليا لمعاملات الحساب الجاري المصرح بها، وهو أمر بالغ الأهمية لتعزيز النشاط الاقتصادي والذي من المتوقع دعمه من خلال تطبيق ضوابط رسمية على رأس المال.

وتساور الكثير من الخبراء شكوك في قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها خاصة وأنها أمام جبال من العراقيل التي تحتاج إلى إزالتها قبل الوصول إلى الهدف الذي لم يعد يفصلها الكثير حتى تصل إليه.

وقال توفيق كسبار المستشار السابق في صندوق النقد ووزارة المالية اللبنانية إنه حتى لو تم تنفيذ نصف الإصلاحات “فسيلقى ذلك صدى طيبا بين اللبنانيين”.

لكنه أضاف أن الإجراءات “ستشكل مصدر قلق رئيسيا للسلطات لأنه يتعين عليها تنفيذ العديد من الإصلاحات حتى قبل عرض الاتفاق على مجلس إدارة صندوق النقد”.

وتابع كسبار “هذا تحد سياسي كبير والقائمة الطويلة للإصلاحات الجوهرية التي ينبغي تنفيذها حتى قبل تقديم الاتفاق إلى مجلس الإدارة تعكس حقا انعدام الثقة في السلطات”.