العودة الخليجيّة: إعادة تعديل التوازن الداخليّ

سابين عويس – النهار

بعد نحو أسبوعين على الأجواء الإيجابية التي عمّمتها المواقف السعودية والكويتية، غداة بيان الالتزام الصادر عن رئيس الحكومة #نجيب ميقاتي، حطّ سفيرا الدولتين #وليد البخاري وَعَبد العال القناعي في بيروت، وسط موجة ترحيب رسمية، ترافقت مع إجراءات استقبال استثنائيّة، عكست الاهتمام اللبنانيّ الرسميّ بملاقاة الخطوة الخليجية بإيجابية وتقدير، خصوصاً وأنّ الإعلان عن تلك العودة صدر ببيان عن وزارتي الخارجية في كلا البلدين، ولم تحصل في إطار عاديّ. وهي للمفارقة تأتي بعد نحو خمسة أشهر عن الانقطاع عن لبنان بعد قرار عدد من دول الخليج سحب سفرائها استنكاراً لتصريحات أدلى بها وزير الإعلام السابق جورج قرداحي، وأدّت الى تنامي النفور بسبب عدم استجابة الحكومة اللبنانية للدعوة الخليجية باستقالة قرداحي، واستمرار “#حزب الله” في تبنّيه سياسة هجومية على المملكة العربية السعودية.




وتأتي هذه الخطوة الخليجية تتويجاً لجهود دبلوماسية قام بها رئيس الحكومة، من دون أن يُفصح عنها مع الدول المعنية، كما مع دول الغرب، عكست في الواقع شبكة العلاقات التي يتمتّع بها ميقاتي خارجيّاً، في ظلّ غياب الدبلوماسية اللبنانية، وأيّ حضور فاعل للسياسة الخارجية اللبنانية ولاسيّما على مستوى رئاسة الجمهورية بفعل تموضعها الواضح في التحالف الذي يقوده “حزب الله”.

تتزامن عودة سفيري السعودية والكويت مع مجموعة من التطوّرات المحلية والخارجية التي تعزّز الانطباع بأنّ الخليج قرّر الانخراط مجدّداً على الساحة اللبنانية. وليست تطوّرات الملفّ اليمني والهدنة المعلنة مع الحوثيين بعيدة عن المناخ التسووي السائد حاليّاً، ولبنان جزء منه في انتظار ما سيسفر عنه المدّ والجزر الأميركيّ الإيرانيّ حول الاتفاق النووي، بعدما دخل ملفّ الحرس الثوري بنداً جديداً وضاغطاً على المفاوضات التي كانت بلغت خواتيمها قبل أسبوع.

داخليّاً، بات واضحاً أنّ ثمّة قراراً دوليّاً بعدم انهيار البلد في شكل كامل. وقد جاء الإعلان الرسميّ عن توقيع اتّفاق مبدئيّ مع #صندوق النقد الدولي ليؤكّد هذا التوجه، ولاسيّما قبل موعد الانتخابات النيابية المقرّرة بعد شهر، وذلك من أجل سحب أيّ فتيل من شأنه أن يفجّر الأوضاع ويؤدّي الى تطيير الاستحقاق الانتخابي. فالقرار الدولي بضرورة إجراء الانتخابات واضح وثابت ولم يتغيّر، حتى في ظلّ المعطيات التي تشير الى فوز التحالف الحاكم اليوم بالغالبية النيابية عينها. لكنّ أولويّة الاستقرار تتقدّم على ما عداها، وقد تعزّزت أكثر بعد الحرب الروسية على أوكرانيا.

وإذا كان الاتّفاق المبدئيّ مع صندوق النقد يمنح لبنان دعماً أوليّاً قدّره الصندوق بثلاثة مليارات دولار، على مدى السنوات الأربع المقبلة، فإنّ لبنان كما الصندوق يعوّلان على دعم الشركاء الدوليين لتقديم التسهيلات الماليّة التي يحتاج اليها البلد من أجل استعادة عافيته الاقتصادية. وليس خافياً أنّ دول الخليج تشكّل نواة الدعم الدوليّ ودعايته الأساسيّة، ما يعني أنّ لبنان في حاجة ملحّة الى استعادة علاقاته مع محيطه العربي.

هل هذا يعني أنّ العودة الخليجية ستكون دائمة أو أنّها سترتبط حصراً باستحقاق الخامس عشر من أيار المقبل، خصوصاً وأنّ المشهد على الساحة السنّية يستدعي تدخّلاً عربيّاً عاجلاً من أجل لملمة الوضع وشدّ العصب من أجل منع تفريغ الساحة لملئها من قبل الحزب وحلفائه.

يبقى الجواب على هذا السؤال رهن أمرين أساسيّين أوّلهما مدى قدرة ميقاتي قبل الانتخابات وبعدها على تنفيذ التعهّدات التي قدّمها باسم حكومته الى دول الخليج حيال مكافحة عمليات التهريب من جهة، ومنع التعرّض لأمن هذه الدول وسيادتها والتهجّم عليها من جهة أخرى. والأمر الثاني يأتي استطراداً ويتّصل بمدى استعداد “حزب الله” الى التعاطي ببراغماتية مع الوضع المستجدّ، والتزام الشروط الخليجية، علماً أنّ قراراً كهذا لا يتفرّد به، بل يعود الى ما ستسفر عنه أيّ تسوية في المنطقة حول دور طهران أوّلاً والحزب ثانياً. لكنّ الثابت حتّى الآن أنّ القرار الخليجي وإن جاء متأخّراً بعض الشيء، قد اتّخذ بعدم ترك الساحة اللبنانية متروكة بالكامل لتمدّد النفوذ الإيراني، وأنّ عملية إعادة التوازن قد بدأت وأداتاها اثنتان: إعادة تكوين السلطة من دون فقدان النصاب المتوازن سنيّاً في وجه أيّ تمدّد شيعيّ نحو مقاعد الطائفة، من خلال فوز مرشّحين يدورون في فلك الحزب، وهذا سيتطلّب إشرافاً مباشراً على القاعدة السنية الناخبة. أمّا الأداة الثانية فاقتصادية، تعيد التوازن المفقود بسبب الانهيار الماليّ وتفرمل الاندفاعة نحو التوجّه شرقاً كبديل للمقاطعة الخليجيّة التي دُفع لبنان إليها قسراً بفعل المواقف السلبية المتعمّدة الصادرة عن الفريق الحاكم. وهذه الأداة ستترجم من خلال المساهمة العربية المُحتملة والمراقبة ضمن أيّ برنامج مع صندوق النقد، في ما لو صدقت النوايا اللبنانية والتزمت سلطاته الشروط المفروضة، كما حصل بالأمس مع إعلان الرؤساء الثلاثة في بيان رسميّ التزامهم.